منبر الكلمة

من الشجب إلى الفعل: كلمة الملك في قمة الدوحة..

دعوة أردنية لردع العدوان وتجاوز لغة البيانات

 

عدنان نصار

انعقدت القمة العربية الإسلامية الطارئة في الدوحة تحت وقع حدث غير مسبوق، إذ تعرّضت العاصمة القطرية لعدوان إسرائيلي مباشر كشف عن مدى استخفاف تل أبيب بالقوانين الدولية وتحدّيها لإرادة المنطقة برمّتها. في هذه اللحظة المشحونة بالغضب وعدم اليقين، جاءت كلمة الملك عبد الله الثاني لتضع إصبعها على الجرح، ولتذكّر القادة بأن مواجهة هذا النوع من الاعتداءات لا يمكن أن تبقى محصورة في خانة البيانات المكرورة، بل تستلزم انتقالاً جاداً من الشجب والإدانة إلى الفعل والردع.

الملك استهل كلمته بالتضامن مع قطر، مؤكداً أن أمنها من أمن الأردن، ومشدداً على أن الاعتداء الذي وقع لا يستهدف دولة بعينها وإنما يمسّ الأمن القومي العربي والإسلامي في جوهره. هذه الرسالة العميقة لم تقتصر على التعبير عن موقف سياسي، بل حملت بعداً استراتيجياً يقوم على أن وحدة المصير هي القاعدة الوحيدة القادرة على مواجهة التحديات. فحين تُخترق سيادة دولة عربية أو إسلامية دون رد جماعي حازم، فإن الباب يُفتح واسعاً أمام تكرار الاعتداءات في أماكن أخرى، بما يهدد منظومة الأمن الإقليمي بأكملها.

وربط الملك بين ما تعرّضت له قطر وما يعيشه الشعب الفلسطيني منذ عقود تحت الاحتلال، مؤكداً أن القضية المركزية للأمة ما تزال هي فلسطين، وأن الهجوم على غزة أو القدس أو الضفة ليس منفصلاً عن الاعتداء على أي عاصمة عربية. هذا الربط أضفى على الكلمة بعداً أخلاقياً واضحاً، فالمعركة في جوهرها ليست فقط سياسية أو جيوستراتيجية، بل هي معركة إنسانية تتعلق بالكرامة والعدالة وحق الشعوب في الحياة الحرة الكريمة.

الأهم أن خطاب الملك ، حمل دعوة مباشرة إلى اتخاذ قرارات عملية ورادعة، لا تكتفي بالتصريحات ولا تُبقي سقف التوقعات في حدود المجاملة الدبلوماسية. فقد طالب جلالته بإجراءات ملموسة يمكن أن تُترجم إلى أدوات ضغط سياسية واقتصادية وقانونية على إسرائيل، بحيث تشعر الأخيرة أن خرقها للقانون الدولي لن يمر دون ثمن. بهذا الطرح حاول الأردن أن يرفع منسوب النقاش العربي من مستوى ردود الفعل إلى مستوى صناعة الفعل، وهو تحول ضروري طال انتظاره في ظل تراكم الخيبات من بيانات القمم السابقة.

إشارة الأردن إلى أن تجاهل هذا العدوان أو الاكتفاء بمواقف لفظية سيؤدي حتماً إلى انفجار أكبر يهدد استقرار المنطقة بأسرها ، هي إشارة لها دلالة واضحة: إذا لم يكن هناك ردع جماعي، فإن سياسة إسرائيل التوسعية ستستمر بلا حدود..ومن هنا برزت الدعوة الأردنية لمراجعة آليات العمل العربي والإسلامي المشترك، وإعادة تفعيلها بما يواكب حجم الأخطار المتسارعة.

لكن يبقى السؤال الكبير: هل تستطيع الدول العربية والإسلامية تحويل هذا الخطاب القوي إلى خطة عمل موحّدة؟ الواقع يقول إن التباينات السياسية والاقتصادية بين العواصم لا تزال عميقة، وإن مصالح بعض الدول وعلاقاتها الدولية قد تجعلها مترددة في تبنّي خطوات تصعيدية. كما أن غياب أدوات تنفيذية مشتركة وفعّالة قد يحوّل الدعوة إلى قرارات “حازمة ورادعة” إلى مجرد أمنيات. يضاف إلى ذلك أن أي تحرك جاد يحتاج إلى مظلة دولية، في وقت ما تزال فيه موازين القوى العالمية تميل لصالح إسرائيل وحلفائها في الغرب.

ومع كل هذه التحديات، فإن كلمة الملك عبد الله الثاني اكتسبت أهمية مضاعفة لأنها عكست صوتاً عربياً يرفض الاستسلام لدوامة التكرار. لقد طرحت الكلمة سؤالاً مباشراً على القادة: إلى متى نظل أسرى ردود الفعل دون أن نصنع فعلاً مضاداً؟ وإذا كان الهجوم على قطر لم يحرّك إرادة جماعية حقيقية، فما الذي يمكن أن يحركها إذن؟

القيمة الحقيقية للخطاب أنه حرّك السقف السياسي للمداولات العربية، وأعاد التأكيد على أن السيادة ليست شأناً داخلياً لأي دولة، بل هي مسؤولية جماعية، وأن الردع لا يتحقق بالتصريحات بل بالفعل الملموس. وإذا ما التقطت الدول المشاركة جوهر هذه الرسالة، فقد تكون قمة الدوحة بداية لانتقال طال انتظاره من مرحلة الكلام إلى مرحلة العمل. أما إذا اكتفت بإصدار بيان ختامي قوي العبارة ضعيف المضمون، فإن القمة ستنضم إلى سجل طويل من الفرص الضائعة التي عمّقت فجوة الثقة بين الشعوب وأنظمتها.

وربما تشكّل كلمة الملك فرصة لإعادة التفكير في العقد السياسي العربي من جديد، على قاعدة أن ما يجمع الشعوب أكبر مما يفرقها، وأن ما يهدد الأمن القومي العربي والإسلامي لا يمكن مواجهته إلا بتوحيد الإرادة وتفعيل أدوات العمل المشترك..وإذا ما تحقّق ذلك، فإن قمة الدوحة قد تُسجّل كنقطة انعطاف حقيقية، لا كمجرد محطة عابرة في مسار القمم الطارئة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى