
مطلق الحجايا
3-1-2026
لايعد الهاتف الخلوي مجرد اداة للتواصل او وسيلة لتسهيل الحياة بل تحول عند كثير من الناس الى صنم صامت تقدم له الاوقات قربانا وتعطل بسببه الاعمال وتختل به الاولويات ترى الناس في كل مكان عاكفين عليه رؤوسهم منكسة واعينهم مسمرة كأنهم في حالة عبادة صامتة غاب فيها الحضور وضاع الشعور
في ميادين العمل ضاع الاتقان وقل الانجاز لا لقلة القدرات بل لتشتت العقول موظف يتفقد شاشته كل دقيقة وعامل يقطع عمله لاشعار تافه ومدير يغرق في العالم الافتراضي ويغفل عن مسؤوليته ومراجع يقف دقائق ينتظر الموظف حتى ينتبه اليه فيدخل الخلل من باب صغير ثم يتسع حتى يصيب كل شيء
وفي المجالس يتكلم الانسان فلا احد يلتفت الى حديثه تسرد الكلمات ولا تجد اذانا تصغي وترفع رأسك فتجد الكل غارقا في عالمه الصغير خلف الشاشة في مجلس واحد ولكن العقول متفرقة والارواح غائبة وقد كانوا يقولون قديما العيون مغاريف الهرج فالكلام لا يؤخذ باللسان وحده بل بالنظر والحضور والاهتمام فاذا غابت العيون ضاع المعنى وسقط الكلام في فراغ لا يرد صدى
وفي البيوت لم يقف الامر عند الكبار بل تسلل الى الصغار امهات يسلمْن الهاتف لابنائهن الصغار الساعات الطوال مقابل الصمت وعدم الازعاج فينشأ الطفل اليف الشاشة غريب الحوار قليل الصبر ضعيف التركيز وتسلب منه ساعات كانت احق باللعب والسؤال والاكتشاف عدا عن أمراض الرقبة والعيون والانعزال وهكذا يغرس التعلق مبكرا ويكبر الصنم مع الاجيال
ولمن يبحث عن القدوة فان النبي صلى الله عليه وسلم وهو اكمل الناس خلقا واعظمهم حضورا القى خاتما كان في يده لما رأى انه يكثر الالتفات اليه فشغله عن اصحابه شيء صغير لا قيمة له في ذاته لكنه لما صار مصدر تشتيت قطع من اصله فاذا كان هذا في خاتم فكيف بهاتف يخطف الساعات ويسرق العقول ويقطع الحضور مع الناس
ليس الخطر في الجهاز نفسه بل في تحوله الى سيد يطاع وفي فقدان الانسان سلطته على وقته ووعيه فالهاتف الذي وجد ليخدمنا اصبح عند كثيرين يستعملهم ويسرق اعمارهم دون ان يشعروا
ان اعادة التوازن لا تحتاج الى كسر الهواتف بل الى كسر التعلق الاعمى بها ان نعيد للمجالس حرمتها وللعيون دورها وللبيوت دفئها وللاطفال حقهم في الحضور والرعاية وللوقت قدره وللعمل اتقانه عندها فقط يعود الهاتف اداة نافعة لا صنما يعبد ولا قيدا يقيد العقول والاعمار







