منبر الكلمةاخر الاخبار

نصير يكتب : من التدخلات إلى اللوبيات… الإدارة الأردنية في مواجهة أزمة الثقة والكفاءة

د. خلدون نصير / المدير المسؤول

تعرضت الإدارة الأردنية في شتى المجالات خلال السنوات الماضية إلى ضعف عام انعكس على أداء المؤسسات، وذلك نتيجة تراكمات بدأت من التعينات غير الكفؤة التي شملت مختلف المستويات القيادية، من وزراء وأعيان، إلى مدراء ورؤساء هيئات ومجالس إدارة وأعضائها. هذه التعينات لم تكن وليدة حاجة موضوعية أو معايير مهنية واضحة، بل جاءت نتيجة التدخلات المتعددة من مراكز قوى أو مواقع سيادية، الأمر الذي أدى إلى تشويه منظومة العمل الإداري على حساب الكفاءات الحقيقية.

ولم تتوقف التدخلات عند مؤسسات الدولة الرسمية، بل طالت القطاع الخاص والمجالس المعينة من بلديات ومجالس محافظات وغيرها، فانتقل أثرها إلى جميع مفاصل القرار، مخلِّفة حالة من التردي في الأداء، لقد ولّدت هذه التدخلات لوبيات فاشلة تحارب الكفاءات وترفع شأن العلاقات والمحسوبيات، وخلقت أذرعًا مترجمة للمسؤولين تتدخل حتى في صناعة القرار، فتحول القرار إمّا إلى قرار خاطئ، أو إلى قرار مؤجل، أو غائب في الأساس.

الحديث عن الشفافية في التعيينات ظل طوال العقود الماضية حلمًا بعيد المنال، وما زال الأردنيون يشاهدون بين الحين والآخر أسماء تعود إلى الواجهة في مواقع قيادية حساسة، رغم أنّ أصحابها كانوا قد خضعوا لمحاكمات بتهم الإهمال أو التقصير، ليتجاوز صاحب القرار ماضيهم متناسيًا أنّ الأردن بلد ولّاد بالكفاءات والقدرات التي تستحق أن تمنح الفرصة لإدارة المواقع القيادية بكفاءة واقتدار.

إنّ الأزمة اليوم لم تعد مرتبطة بفرد أو مؤسسة، بل أصبحت أزمة ثقة في آليات الاختيار وإدارة الدولة، خصوصًا عندما تتكرر مشاهد إعادة تدوير الأشخاص على حساب فتح الأبواب أمام دماء جديدة وأفكار إصلاحية قادرة على إحداث التغيير.

المطلوب أن يُعاد الاعتبار لمفهوم الكفاءة باعتباره معيارًا وحيدًا للتعيين، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والتدخلات، فالإدارة ليست موقعًا للتجريب أو مكافأة الولاءات، بل هي أداة الدولة الأهم في خدمة المواطن وحماية المصلحة العامة.

ومن هنا، فإن أي إصلاح إداري حقيقي لا يكتمل من دون مساءلة ومحاسبة كل من ثبت أو يثبت تورطه في إضعاف الإدارة الأردنية عبر سنوات طويلة، سواء بتعيين غير كفؤ أو بقرار خاطئ أو بتمرير مصالح شخصية على حساب المصلحة العامة.

فالمساءلة ليست خيارًا تكميليًا، بل شرط أساسي لإعادة بناء الثقة وتأسيس إدارة نظيفة وعادلة وفاعلة.
وفي الختام كلمة لابد منها ..

إنّ الإصلاح الإداري الحقيقي لا يبدأ من القوانين فقط، بل من الإرادة الجادة في كسر حلقة التدخلات والولاءات، والعودة إلى الأصل: وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، فالأردن الذي قدّم للعالم خبرات إدارية يُشهد لها، قادر أن يستعيد مكانته إذا ما تحررت الإدارة من القيود غير المهنية، وانطلقت بروح جديدة تُنصف الكفاءات وتعيد الثقة للمواطن بدولته ومؤسساتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى