
ندوة استذكارية حول الناقد الراحل عبد الفتاح النجار في جامعة اليرموك
تحت رعاية الدكتور عبد الرؤوف الروابدة رئيس الوزراء الأسبق، أقامت جامعة اليرموك ضمن فعاليات كرسي عرار للدراسات الثقافية والأدبية ندوة استذكارية حول تجربة الناقد الأردني الراحل الدكتور عبد الفتاح النجار، تحت عنوان: “المقام والأثر: صفحات من حياة الناقد الراحل الدكتور عبد الفتاح النجار”، وذلك يوم الثلاثاء 11/8/2026. وشارك في الندوة إلى جوار الروابدة كل من رئيس جامعة اليرموك الدكتور مالك الشرايري، وشاغلة كرسي عرار الدكتورة ليندا عبيد، والمحلل السياسي عبد المجيد جرادات، والدكتور محمد مقدادي، والناشط الاجتماعي محمد هاشم أبو سردانة، وألقى كلمة العائلة نجل الراحل الدكتور مصلح النجار.
في شهادته حول الراحل الدكتور عبد الفتاح النجار، قال الدكتور عبد الرؤوف الروابدة رئيس الوزراء الأسبق: لا بدّ للولوج إلى شخصية الراحل عبد الفتاح النجار من أن نبدأ بالحديث عن البيئة التي أنتجت شخصيته، على المستوى الثقافيّ والإنسانيّ، فندرك تلك البيئة من حيث الأسرة، والمدينة، والأرض، والدولة، والمؤسسة، والشعب. فقد عرفت عائلة النجار في النصف الثاني من خمسينيات القرن العشرين، من خلال زميلي وابن صفي الدكتور ساكب النجار، وكنّا معا من أوائل المملكة في المترك الأردني، وترافقنا مبعوثين إلى الجامعة الأميركية في بيروت، وأكمل حياته في الولايات المتحدة، فكان رقما صعبا هناك، ومن خلاله عرفت أخاه عبد الفتاح، ثم بعد ذلك عرفت أبناءه، وهم شباب نابهون. وقد شممت في هذه الأسرة رائحة فلسطين، فقد عاشوا النكبة بكل أبعادها، ورفضوا أن يستسلموا للنكبة وآثارها، وجعلوا سلاحهم في هذا التحدّي العلم والذكاء، فكانت بوابتهم لخوض هذا التحدي العلم الرفيع، والثقافة، والفن، والشعر، والنقد.
وقد وجدوا في بيئة إربد الحضن الدافئ، والصدر الرؤوم الذي جبل كل من فاء إليه، فصنع من الجميع أسرة واحدة متحابة ترفض التمييز، والإقليمية، وترفض أن تضع حدودا بين الناس على قاعدة العرق أو الدين، أو اللغة، أو المنبت أو الأصل. وهي نموذج من وطننا الطيب الذي تعامل مع القضية الفلسطينية تعامل الشريك، ولم يتعامل يوما تعامل الجار، فكان شريكا في الحياة، وشريكا في الواقع، وشريكا في المأساة، وشريكا في العمل على تجاوزها إن شاء الله. وفي هذه البيئة نشأ عبد الفتاح النجار، ونضج ليكون نموذجا في هذا الإطار، من حيث الخلق، والتربية، والتعليم، والإنجاز. ولا أستطيع أن أقول إلا أنني أحببت هذا الرجل، وكلما كنت أزداد معرفة به، يزداد حبي له، ومن خلاله أحببت أبناءه الذين أعتز بصداقتهم، وهي صداقة الرجال.
هذا هو مجتمع إربد الذي أجد من واجبنا أن نتمسك به، فنرفض من صفوفنا كل هماز مشاء بنميم، وكل مفتش عن أسباب الفرقة والفتنة، وسنبقى إن شاء الله أسرة واحدة نبني هذا الوطن ليكون مدماكا من مداميك أمتنا العربية، حتى إذا تمكنت من الوقوف على رجليها، فإنها ستسترد حقوقها، والمغتصب من أرضها. رحم الله عبد الفتاح رحمة واسعة، والخير فيه وفي أبنائه، وفيما تركه من علم، وسمعة طيبة.
ومن جهته رحب رئيس جامعة اليرموك ورئيس كرسي عرار للدراسات الثقافية والأدبية الدكتور مالك أحمد الشرايري براعي الندوة الاستذكارية، وبضيوف اليرموك، وقال: نلتقي اليوم بفخر واعتزاز في ندوة حول المرحوم الناقد الكبير الدكتور عبد الفتاح النجار استذكارا لدوره ومنجزاته في خدمة الأدب الأردني، ولدوره الأكاديمي والتربوي العريق، إيمانا منا برسالة جامعة اليرموك القائمة على تعزيز الحياة العلمية والثقافية في بلدنا العزيز وإثرائها؛ والتي تتجلّى بأفضلِ صورها من خلال الاحتفاء بكبار النقاد والمبدعين ممن أغنوا حياتنا الثقافية والأدبية والعلمية، وأرّخوا لقيم العدالة والمحبة والإنسانية بأفقها الرحب من خلال جميل إبداعهم، وروعة عطائهم تقديرا منا لدور هؤلاء الرواد في تشكيل دواخلنا الإنسانية، ورسم معالم وجداننا الجمعي. وقد شكّل غياب النجار فاجعة في الوسط الثقافي والأكاديمي الأردني مما شكّل خسارة إنسانية وعلمية كبيرة، تغمده الله بسكينته وسلامه ونوره.
وتأتي هذه الندوة انطلاقاً من حرصنا على ترسيخ قيمة الوفاء في نفوس طلبتنا، فما جزاء الأثر الطيب والعطاء إلا التقدير والامتنان، فلا قيمة لأمة بلا ذاكرة؛ وإن استذكار هؤلاء الأعلام الخالدين بكتبهم ومنجزاتهم، إنما هو جزءٌ أصيلٌ من هويتنا الوطنية وذاكرتنا الثقافية والإنسانية؛ فوحدها الثقافة تعبر عن الكينونة والهوية، وتعمل على بناء إنسان متكامل قادر على المساهمة الفعالة في تطوير مجتمعه ورفعة وطنه. حفظ الله الأردن عزيزاً شامخاً، عصياً على كل التحديات، تحت ظل راية عميد آل البيت، صاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم، حفظه الله ورعاه.
وفي كلمتها قالت شاغلة كرسي عرار للدراسات الثقافية والأدبية الدكتورة ليندا عبيد: نقف اليوم، في الذكرى الأولى لرحيل القامة الوطنية والأكاديمية والفكريّة الدكتور عبد الفتاح النجار؛ لنقول للغائب الحاضر: إن الأجساد وإن وُريت التراب، فإن الأثر المخلص يظلُّ حياً يتنفس في وجدان الأجيال شاهدا على الحب والجمال فلا يزول.
لقد كان النجار نموذجاً نادراً لذلك التوازن الفريد بين “عقل الناقد” و”قلب المبدع” و”ضمير الإنسان، فمثل صورة أثيرية للناقد الحصيف المعتدل، إذ لم يكن النقد لديه صنيعة أسوار عاجية أو أداة قتل وعتمة، بل كان “فعل حبٍّ” للكلمة، ورعايةً للجمال، واستكشافاً لأغوار النص بهدف التقويم والتوجيه لا التعالي والهدم. يقرأ بعين الفاحص المتبصر، ويُوجّه بروح الأستاذ الأب المربّي. وقد كان مبدعا مثقفا وناقدا بذائقةً رفيعة.
لم تكن إربد بالنسبة لفقيدنا مجرد مكان، بل كانت أغنية سماوية سقطت من جعبة نبي، وهويةً وروحاً، سكب فيها عصارة فكره، فكان من أبرز أعلامها المخلصين الذين أثرو المشهد الثقافي الأردني والعربي. واليوم، إذ يحتفي به “كرسي عرار”، فهذا وفاء طبيعي ومُستحق بين رمزية شاعر الأردن الأكبر، وبين ناقد ومثقف كرّس حياته لخدمة الأدب الأردني، ولمدينته التي يحب فلم تفلت المدينة يوما أكف أبنائها الطيبين.
رحل الدكتور عبد الفتاح النجار جسداً، لكنه ترك خلفه إرثاً من العلم النافع، وسيرةً عطرة من النقاء، وتلامذةً ومريدين يحملون المشعل من بعده.” إن الذين يزرعون الفكر والإخلاص في أرض مجتمعاتهم، لا يغيبون.. بل يتحولون إلى شجرٍ دائم الخضرة، يُستظلُّ بفكره، ويُقتفى أثره.”
فأي سحر ينفثه البيان، وأي حزن شفيف، وأية لذة ومذاقات مالحة وحلوة ومرة تنسل حين إلينا تطل من الذاكرة صورة عالم جليل أحب العربية، يملك مفتاح سلة الأسرار، فتنفك المغاليق، وتنحسر الحجب، وتزدهي في نصه مثل شريط أمنيات ملون تشكله سيدة على ذراع غصن شجرة الولي الصالح في الجبل.
وألقى الدكتور مصلح النجار كلمة عائلة الفقيد، فشكر راعي الندوة، وجامعة اليرموك ممثلة برئيسها، وكرسي عرار، وسائر العاملين فيها، وقال: هذا موقف أحسب فيه أنّني تتضاءل كلماتي على لساني في محاولة الثناء على دولة راعي الندوة، الذي جاء ليجعل من إحساسنا بالفقد، لحظَةَ احتفالٍ بالصّداقة والمحبّة والوفاء! وهو البقية الباقية بحفظ الله من الكرام الأحبّة.
كما شكر المشاركين في الندوة قائلا: قليل في حقّكم الشّكر، ومثلكم لا يُشكَر، فأنتم الأهل والعزوة والأحبّة! وتابع قائلا: كان والدي عبد الفتّاح النجّار رجلًا يعرف كيف يحبّ. كان ينطلق من إيمانه بأنّ الحياة جملة من المكاسب، أعظمها وأوقَعُها في النّفوس كَسْبُ الكرام من أمثالكم. كان أبي إربديّ الرّوح، وصاحب مشروع ثقافيّ قرّر أن ينفّذه وحده من دون مؤسّسات ولا دعم، فقد نذر نفسه لخدمة الشّعر الأردنيّ، ولم يكتب إلّا عنه بأنواعه كلّها: الكلاسيكيّ، والرومانسيّ، والشّعر الحرّ، وقصيدة النّثر، وشعر الأطفال، ونقد الشّعر. حتّى إنّه كان حين يُدْعَى إلى مؤتمرٍ أو ندوةٍ خارج الوطن، يشترط أنْ يكون حديثه عن الشّعر الأردنيّ. نعم أيّها الأحبّة، كان أبي يحبّ إربد، ولا يرى في نفسه متّسعًا للاهتمام بغير الشعر الأردني.
وألقى المفكر عبد المجيد جرادات كلمة عنوانها” المنظومة القيمية في مسيرة عبد الفتاح النجار” موجزا تاريخ علاقة ثقافية ربطته بالراحل منذ مطلع التسعينيات، عندما كان الراحل أستاذا في كلية الآداب في جامعة جرش، وقد اعتدنا أن نلتقي في النشاطات الثقافية التي يُنظمها فرع رابطة الكتاب الأردنيين في إربد وفي مشاركاته بالأمسيات الشعرية والندوات الفكرية، وكنت أحس بهيبة حضورة وأشعر بقيمة الوقت ومتعة الفائدة وأنا أتقن فن الإصغاء لمداخلاته المتميّزة في قضايا النقد والفكر والأدب حيث البلاغة وجماليات اللغة.
أكاديمي معروف وتربوي عريق، وناقد أدبي فذ، يحرص على تشجيع أصحاب المواهب الواعدة، مشجعاً لهم على المثابرة ومواصلة البحث والتحليل لإعطاء الشعر والأدب أجمل المعاني التي تسهم بنضوج الخبرات الأدبية وتعمق المناهج المعرفية.
وقد صدر للدكتور النجار اثنا عشر كتابا حول الحركة الشعرية الأردنية. وكان في مسيرته العلمية يمتلك صفات (القيادة التربوية)، مؤمنا بتشجيع جيل الشباب وبترسيخ القيم والمعتقدات والثوابت الوطنية، ضمن فلسفة خاصة حول التعليم والتنمية، وإيمان بدور أهل الفكر والثقافة، في ظلّ وعي الأطماع الاقتصادية للدول العظمى والصناعية تلعب دوراً بارزا ً في توجيه مسيرة الأحداث.
وينتمي الراحل إلى لنمط الودي من الرجال بشخصية ترتكز على العفة والمروءة، والشهامة ثم الوقوف على مسافة واحدة بين جميع الأقران في ميادين العمل او العلاقات الاجتماعية، وقد عرفنا كل هذه السلوكيات أثناء تعاليل الثقافة او الجلسات الاجتماعية المتنوعة، فقد كان رحمه الله إصلاحياً وتوفيقياً بمعنى الكلمة، يبادر بالموعظة الحسنة، ويحرص على التهدئة حتى تسود المودة ويزول أي سوء فهم بين المثقفين.
كان الدكتور النجار مؤمنا بحيوية الفعل الثقافي، وهو من الذين بادروا بتأسيس فرع رابطة الكتاب الأردنيين في إربد وكان يؤكد بين الحين والآخر على ضرورة مواصلة النشاطات الثقافية التي تطرح سؤال الثقافة المعاصر، حتى يُمكن مناقشتها بمهنية وموضوعية تليق بالحس الثقافي الذي تسمو من خلاله الفكرة وتتعمق مقومات الثقة.
يوصف الراحل الدكتور النجار بأنه مدرسة في سمو الأخلاق، وله مواقف مشرفة في رعاية الإبداع بحكم خبراته الواسعة في سلك التعليم، ونشاطاته المتنوعة في المشهد الثقافي، وهو المربي الذي عرف قيمة غرس صفات الإباء وعلو الهمة بنفوس طلبته الذين نهلوا من فيض علمه في المدارس أو الجامعات الأردنية.
ومن جانبه ألقى الشاعر الدكتور محمد مقدادي كلمة عنوانها “مصافحة مفتوحة لروح لا تغيب” استذكارا لروح الفقيد الدكتور عبد الفتاح النجار، وقال: هكذا كان النجار عاليا في مقامه، وساميا في حميميته الوافرة، وكنا إلى جواره متكئين على جدار تستند إليه قاماتنا الباحثة عن مساحات تتيح لنا التماس العذر، إن أخطأت النصوص اختياراتها، أو مالت ميلا طفيفا نحو ما لا يجب أن تميل إليه، لتجد يدا حانية تعيد النصّ إلى توازنه، وتضفي عليه من روحها الأبوية، دفئا ماتعا، وطلاوة رقراقة، مثل ماء الينابيع. كان الأديب الأريب الناقد الوجيه النقابي الدكتور عبد الفتاح النجار حارسا من حراس الفعل الثقافي الذي جمعني به أول مرة في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، تحت سقف رابطة الكتاب الأردنيين، فبعد أن فرغت من قراءة قصيدتي الأخيرة ذات أمسية شعرية، تقدم بقامته الفارعة، وبكامل كياسته، وأناقة شعره المصفف بإتقان، وعينيه المندفعتين للعناق، وربطة عنقه التي غلب عليها اللون الأزرق السماوي، وقال: قصيدتك الأخيرة قدمت لنا ملامح المرحلة لخمسين سنة قادمة. لم يعرف أحد سواي ما الذي فعلته كلمات الإطراء التي سمعتها في ختام القراءة الشعرية الأولى التي قدمتها بدعوة من رابطة الكتاب، التي نلت شرف الانتساب لها في ذلك العام، أحسست أن جدول فرح غمرني وفاض عن حاجتي للولوج إلى عالم الشعر الذي وقفت مترددا في الولوج إلى مجاهل صومعته العالية.
في مشواره النقدي، عمل أستاذنا الجليل على تحفيز الحراك النقدي على نحو يضيف لما كان منجزا منه على أرض الواقع، وذلك من خلال مشاركاته المتواصلة في الحوارات الأدبية على الصعيدين المحلي والعربي، والتي ظل دائما الحرص على تأثيثها بقراءات منحازة للنصوص المتناولة، بعيدا عن أسماء أصحابها وانتماءاتهم، فأسس بذلك سيرة نقدية متحررة من قيود الشيلية والفصائلية التي كانت تتبدى في أبشع صورها، متحكمة بقنوات النشر والتوزيع، وتتقاسم فيما بينها منابر الحياة الثقافية ومكتسباتها، على تواضع هذه المكتسبات ومحدوديتها.
ظل النجار ناقدا أكاديميا ومحترفا منحازا للمنجز الشعري على الساحة الأردنية، فجاء على رأس قائمة أولوياته، وقد ربطته بأجيال من الشعراء الأردنيين علاقات وطيدة بدءا من الجيل الذي كان يكتب ويمارس الكتابة الشعرية في الخمسينيات فالستينيات فالسبعينيات وحتى رحيله. في العام 2025.
وسيظل فقيدنا النبيل يمثل نموذجا رفيعا للمثقف الجاد، الذي كرس جل وقته، وسخر قلمه في خدمة الأدب دراسة ونقدا، وسيبقى أثره حاضرا في ذاكرة محبيه على امتداد الساحة الثقافية في الوطن العربي بما قدمه من دراسات معمقة، وبما اتصف به من أخلاقيات رفيعة، ووجاهة اجتماعية، لأنه ظل صاحب الرأي الذي يرجع إليه ويستنار به في الساحة الثقافية الأردنية.
ومن جهته تحدث الناشط الاجتماعي محمد هاشم أبو سردانة عن الراحل فقال: يشرّفني أن أقفَ اليوم، لأتحدّث عن شخص أحبّه، ويحبّه آلافٌ من أهالي إربد، يعرفونه بابتسامته المحبّبة، التي يجمع إليها شخصية قويّة، وفكرًا طليعيّا راقيًا… ذلك هو الأستاذ عبد الفتاح النجار، كما كان أهالي إربد ومخيّمِها يَعرفونه، حتّى بعد أن حصل على درجتي دكتوراه، ظلّ يحسّ بالفخر حين يناديه الأهالي بالأستاذ.
كان الأستاذ سَمتًا خاصًّا بين الرّجال الذين عرفناهم، فهو يجمع الأناقة، والثقافة، والتعليم، والفكر الوطني الملتزم الراقي. نرى اسمَه على أغلفة الكتب، ونشاهد صورتَه في صفحات الجرائد، ونراه يعتلي المنابر فيمْلكها بقوّةِ بيانه.
قال لي كثيرون من طلابه: كنّا نشاهده في مدرسة الوكالة، ونُكبر قيافتَه، وقدرتَه على صناعةِ أجيالٍ من الطلبة المتميزين، فقد كان يعرف ما معنى صناعة مؤسسة تعليميةٍ بأقلِّ الإمكاناتِ الماديّة، من خلال استثمار العنصر البشريّ، واستنهاض الهمم، وتعظيم الفرص، وتكثير الإيجابيات.
عرفه أبناء الجيل الذي سبقني معلّمًا منذ الخمسينيات، ثمّ مديرًا في السّتينيّات، ثمّ مشرفًا تربويًّا، فأستاذًا جامعيًّا. وعلى طول مسيرته التي عشنا معه ستةَ عقودٍ منها أو أكثر، لم يكن في يوم من الأيّام إلّا وجيهًا في طليعة وجهائِنا، وأبًا لكلّ من يعرفه منّا، وعمًّا للجميع، ووعاءً واسعًا، وبيتَ خبرةٍ، يُلْجَأ إليه في المُلمّات. وركّز أبو سردانة على الدور الاجتماعي للراحل، ولا سيما من خلال جمعية الفالوجة الخيرية في عمّان، وفي إربد وعن الوعي الوطني والسياسي الذي عُرف به الراحل، فظل يغرسُ في كلّ من يعلّمُهم ويربّيهم ويؤثرُ فيهم حبَّ الأردن، وكان يردّد: إنّ حبّ الأردنّ من حبِّ فلسطين، وإنّ هذا القلبَ برئتين، فلن نعيش بشكل صحّيٍّ ما لم نتنفّسْ حبًّا برئتَيْنا. تلك حكمةٌ أدركناها حين عايشْنا الخطوب، والتطوّرات السياسيّة، والأحداثَ الجِسام، كان يعشق إربد، وشوارعَها، وحاراتِها، ويدوامُ على سردِ ذكرياتِه فيها مع أصدقائِه وأقرانه، ومن خلالِ رابطةِ الكتّاب الأردنيين، أو جامعةِ اليرموك التي درّسَ فيها بين الفينةِ والفينة منذ مطلع الثمانينيات.
وتضمّنت أعمال الندوة عرض فيديو أوجز محطات حياة الراحل، وأبرز إنتاجاته، ومساهماته النقدية والفكرية، والثقافية، والنقابية، والتربوية والخيرية.
