
من يتحمل مسؤولية شراكة طلال أبو غزالة والجامعة الألمانية؟
3.9 مليون في مواجهة 545 ألفاً... من خسر الصفقة؟
بقلم مؤيد أحمد المجالي
ليست القضية مجرد دعوى حقوقية بين شركة وجامعة.
وليست مجرد خلاف حول أرباح أو رسوم أو تجهيزات أو برامج ماجستير.
إنها قصة شراكة أكاديمية وتجارية بدأت عام 2006، وجُدّدت لعشر سنوات أخرى، ثم انتهت بعد سنوات طويلة إلى محاكم وتحكيم واستئنافات وتمييز، وإلى مطالبة أصليّة اقتربت من 3.9 مليون دينار، في مواجهة مطالبة مقابلة من الجامعة، قبل أن تنتهي إحدى مراحل النزاع إلى الحكم بمبلغ 545,449 ديناراً على مجموعة طلال أبو غزالة للتدريب المهني.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز أن يمرّ مرور الكرام:
كيف يمكن لشراكة تبدأ بعقد وتعاون أكاديمي، وتستمر أكثر من عشر سنوات، أن تنتهي إلى معركة قضائية بهذا الحجم؟
والأهم:
من كان مسؤولاً عن إدارة هذه الشراكة؟ ومن يتحمل مسؤولية تصميمها ومراقبتها وإنهائها؟
من 2006 إلى قاعة المحكمة:
في 25/1/2006 أبرمت اتفاقية تعاون بين الجامعة الألمانية الأردنية ومجموعة طلال أبو غزالة للتدريب المهني بهدف تأسيس كلية تحمل اسم طلال أبو غزالة لإدارة الأعمال، تمنح شهادات البكالوريوس والماجستير في تخصصات مختلفة في العلوم الإدارية والمالية.
ولم تكن الاتفاقية هامشية.
فقد نصت على أن تكون الكلية من كليات الجامعة الأساسية، وأن تخضع لقوانين وأنظمة وتعليمات الجامعة من النواحي الأكاديمية والإدارية. كما تضمنت ترتيبات مالية وتقاسم أرباح، وبرامج ماجستير وتدريب وتأهيل، والتزامات متبادلة بين الطرفين.
بل إن الاتفاقية تضمنت التزاماً بأن لا تقل عوائد صافي أرباح الجامعة السنوية من البرامج المشتركة عن 100 ألف دينار ابتداءً من السنة الدراسية 2007/2008.
ثم، في عام 2014، جرى تجديد الاتفاقية لعشر سنوات أخرى تبدأ من 25/1/2016 وبالشروط نفسها.
أي أننا لا نتحدث عن مشروع عابر.
نحن أمام شراكة كان يفترض أن تكون طويلة الأمد، وأن تكون عقودها محكمة، وآليات إدارتها واضحة، ومسؤوليات أطرافها محددة، ومخاطرها محسوبة.
لكن ما حدث كان شيئاً آخر.
ثم انفجرت الشراكة!
الخلاف الكبير ظهر عندما تعلّق الأمر بالطاقة الاستيعابية لطلبة برامج الماجستير.
وتشير وقائع الحكم إلى أن خلافاً نشأ بعد عدم استجابة الجامعة لطلب زيادة الطاقة الاستيعابية، في ضوء قرارات هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي.
ثم في 3/8/2017 اتفق الطرفان على إنهاء الاتفاقية بالتراضي في نهاية الفصل الصيفي، على أن تتولى الجامعة مسؤولية الكلية اعتباراً من 1/9/2017، وأن يعهد إلى محكم منفرد بالإشراف على إنهاء الاتفاقية وتسوية الأمور المالية والأكاديمية والإدارية.
وهنا بدأت مرحلة أخرى من القصة.
تحكيم.
ثم طعن بأحكام التحكيم.
ثم بطلان حكم التحكيم.
ثم العودة إلى القضاء النظامي.
ثم دعوى أصلية.
ثم دعوى متقابلة.
ثم استئناف.
ثم تمييز.
ثم نقض وإعادة.
ثم استئناف جديد.
ثم تمييز جديد.
أي شراكة هذه التي تحتاج إلى كل هذا الركام القضائي لكي تنتهي؟
3.9 مليون دينار… ماذا كانت تريد المجموعة؟
المطالبة الأصلية لم تكن رقماً صغيراً.
كانت تقارب 3.9 مليون دينار، وتضمنت مطالبات مرتبطة بأرباح وبرامج ماجستير، ووقف تسجيل طلبة، ورواتب وحوافز وأعمال إضافية، وتجهيزات وأثاث، وباص، واعتماد أوروبي، واستخدام طوابق، فضلاً عن مطالبات أخرى وأضرار مادية ومعنوية.
أي أن الطرف الذي أقام الدعوى لم يكن يقول إن هناك مبلغاً صغيراً متبقياً في حسابات شراكة.
بل كان يقول، عملياً، إن هناك خسائر مالية ضخمة ترتبت على مسار إدارة الشراكة وإنهائها.
لكن المحكمة لم تأخذ بهذه المطالبات على النحو الذي طلبته المجموعة.
وهنا تبدأ المفارقة الكبرى.
من 3.9 مليون… إلى 545 ألفاً!
في المرحلة الابتدائية، ردت المحكمة الدعوى الأصلية التي أقامتها مجموعة طلال أبو غزالة، بينما حكمت المحكمة للجامعة الألمانية في الدعوى المتقابلة بمبلغ 66,667 ديناراً.
ثم جاءت محكمة الاستئناف، فأيدت الحكم برد دعوى مجموعة طلال أبو غزالة، وقررت رفع المبلغ المحكوم به للجامعة إلى 545,449 ديناراً، مع الفائدة القانونية من تاريخ الإنذار العدلي في 4/10/2017 وحتى السداد، مع رد باقي المطالبة المقابلة.
وهنا تصبح الصورة صادمة:
المجموعة دخلت المحكمة وهي تطالب بنحو 3.9 مليون دينار.
والجامعة خرجت من إحدى مراحل التقاضي بحكم لصالحها بمبلغ 545,449 ديناراً.
فكيف حدث هذا الانقلاب؟
هل كانت المطالبات الأصلية أكبر من قدرة الإثبات؟
هل كانت بعض الحقوق التي ظن أحد الطرفين أنها مستحقة عقدياً لا تجد أساساً قانونياً كافياً؟
هل كانت هناك أخطاء في إدارة الحسابات والمطالبات؟
هل كانت صياغة الاتفاقية نفسها تفتح أبواباً للنزاع؟
أم أن الشراكة منذ بدايتها حملت في داخلها تناقضاً بين منطق الاستثمار التجاري ومنطق المؤسسة الجامعية العامة؟
هذه الأسئلة أهم بكثير من مجرد الرقم.
المحكمة قالت شيئاً بالغ الأهمية:
في أسباب الحكم، لم تكتف المحكمة برفض المطالبات، بل بنت جزءاً من موقفها على طبيعة العلاقة العقدية وعلى ما ورد في الاتفاقية.
فبالنسبة للمطالبة بالأرباح، أشارت إلى أن توزيع الأرباح كان بعد خصم التكاليف، وأن على من يطالب بالأرباح أن يثبت تحققها، ولا يكفي التمسك بمبلغ مقطوع دون إثبات تحقق الربح.
وبالنسبة لعدد من المطالبات الأخرى، رأت المحكمة أن بعضها لا يستند إلى أساس قانوني سليم أو لا تثبته البينة المطلوبة.
أما وقف تسجيل الطلبة، فقد ارتبط، وفق الحكم، بقرارات هيئة اعتماد مؤسسات التعليم المتعلقة بالطاقة الاستيعابية، وأن الجامعة لم تكن تملك تجاوز تلك القرارات ومخالفتها.
وبالنسبة للتجهيزات والأصول، اعتبرت المحكمة أنها أصبحت، وفق بنود الاتفاقية ومذكرة التفاهم، من موجودات الجامعة، وبالتالي لم تجد أساساً للمطالبة بقيمتها.
إذن المسألة لم تكن ببساطة:
“الجامعة أخذت أموال المجموعة.”
ولا يجوز قانونياً اختصار الحكم بهذه الطريقة.
المسألة أكثر تعقيداً:
(عقد، والتزامات متبادلة، وربحية مشروطة، وإثبات، وتنظيم جامعي، واعتماد أكاديمي، وأصول وتجهيزات، وإنهاء مبكر للشراكة).
ولكن السؤال الأخطر: من يتحمل مسؤولية هذه الشراكة؟
هنا نصل إلى جوهر القضية.
إذا كانت الاتفاقية قد أنشأت شراكة طويلة الأمد بين مؤسسة جامعية ومجموعة تدريبية، فمن الذي وضع نموذجها المالي؟
من حدد طريقة احتساب الأرباح؟
من حدد ملكية التجهيزات؟
من قرر من يتحمل الرواتب والحوافز؟
من وضع آلية التعامل مع تغير قرارات الاعتماد والطاقة الاستيعابية؟
من وضع سيناريو خروج أحد الطرفين؟
ومن وضع آلية واضحة لتعويض الاستثمارات إذا انهارت الشراكة قبل موعدها؟
ومن المسؤول عن التأكد من أن كل التزامات الطرفين قابلة للتنفيذ قانونياً ومالياً وأكاديمياً؟
هذه ليست أسئلة صحفية فقط.
هذه أسئلة حوكمة.
الشراكة ليست مجرد توقيع على ورق:
المشكلة في كثير من الشراكات أن الأطراف تنظر إلى لحظة التوقيع وكأنها نهاية العمل.
بينما الحقيقة أن التوقيع هو بداية المسؤولية.
العقد الجيد لا يكتفي بأن يقول ماذا يفعل كل طرف في الظروف الطبيعية.
العقد الجيد يسأل أيضاً:
ماذا لو تغير القانون؟
ماذا لو تغيرت تعليمات الجهة التنظيمية؟
ماذا لو انخفض عدد الطلبة؟
ماذا لو توقفت برامج معينة؟
ماذا لو اختلف الطرفان حول الأرباح؟
ماذا يحدث للأصول؟
ماذا يحدث للموظفين؟
ماذا يحدث للالتزامات السابقة؟
وماذا يحدث إذا قرر الطرفان إنهاء الاتفاقية قبل موعدها؟
وفي هذه القضية تحديداً، انتهت الشراكة بالتراضي في 2017، لكن التراضي على إنهاء العقد لم يكن تراضياً على إنهاء آثار الماضي.
ومن هنا بدأت المعركة الحقيقية.
المفارقة الأكبر: المحكمة نفسها نقضت حكماً بسبب تناقض أسبابه ومنطوقه:
القصة لا تتوقف هنا.
ففي التمييز رقم 6530/2024، وجدت محكمة التمييز أن هناك تناقضاً بين أسباب حكم الاستئناف ومنطوقه بشأن مبلغ 66,667 ديناراً المتعلق بالأرباح، وأن الأسباب لم تكن تقوى على حمل المنطوق، الأمر الذي جعل الحكم غير صالح لبسط رقابة محكمة التمييز عليه، فقضت بنقضه وإعادة الأوراق إلى مصدرها.
وهذا بحد ذاته درس قضائي مهم:
في القضايا الكبيرة، لا تكفي النتيجة؛ بل يجب أن يكون الطريق الذي أوصل إليها منضبطاً ومتماسكاً ومسبباً.
ثم عادت الـ545 ألفاً!
بعد النقض والإعادة، أعيد تسجيل الدعوى لدى محكمة الاستئناف بالرقم 3457/2025.
وفي 26/5/2025 أصدرت المحكمة حكمها مجدداً، وقضت بإلزام مجموعة طلال أبو غزالة للتدريب المهني بدفع 545,449 ديناراً للجامعة الألمانية، مع الفائدة القانونية من تاريخ الإنذار العدلي في 4/10/2017 وحتى السداد، وردت باقي المطالبة المقابلة. كما ردت الدعوى الأصلية للمجموعة.
لكن القصة لم تنته.
فقد طعن الطرفان تمييزاً.
وفي القرار الصادر بتاريخ 2/2/2026، ردت محكمة التمييز الطعن التمييزي المقدم من مجموعة طلال أبو غزالة للتدريب المهني موضوعاً، وقبلت الطعن الأول المقدم من الجامعة الألمانية في حدود السبب الرابع ونقضت القرار المطعون فيه وأعادت الأوراق إلى مصدرها لإجراء المقتضى القانوني.
أي أن الرقم 545,449 ديناراً لا ينبغي التعامل معه باعتباره خاتمة قضائية باتة لكل تفاصيل النزاع، بل باعتباره نتيجة حكم الاستئناف بعد الإعادة التي تعرضت بدورها للنقض في حدود ما بيّنه الحكم الأخير.
وهذه نقطة مهمة جداً في قراءة القضية.
لكن السؤال يبقى: أين ذهبت الـ3.9 مليون التي طالبت بها مجموعة طلال أبو غزالة للتدريب المهني؟
هنا يجب أن نتوقف.
ليس المقصود: أين اختفى المال؟
بل:
أين انهارت الحجج التي قامت عليها مطالبة تقارب 3.9 مليون دينار؟
هذا هو السؤال الحقيقي.
فالأحكام التي تناولت الدعوى رفضت المطالبات الأصلية التي طالبت بها مجموعة طلال أبو غزالة للتدريب المهني لأسباب متعددة تتعلق بالإثبات والأساس العقدي والقانوني وبطبيعة الالتزامات، ومن ذلك أن بعض المطالبات لم يثبت استحقاقها، وأن وقف التسجيل ارتبط بقرارات جهة الاعتماد، وأن بعض الأصول أصبحت وفق الاتفاقية من موجودات الجامعة، وأن بعض المطالبات لم يكن لها سند تعاقدي كافٍ.
وهنا تظهر الفجوة الهائلة بين حجم المطالبة وحجم ما أمكن إثبات استحقاقه قضائياً.
وهذه الفجوة هي التي يجب أن تفتح نقاشاً وطنياً حول كيفية إدارة الشراكات الكبرى.
لا أحد فوق السؤال:
من الخطأ أن تتحول القضية إلى محاكمة إعلامية لطرف واحد.
لكن من الخطأ الأكبر أن ننظر إليها وكأنها مجرد ملف قضائي أغلق وانتهى.
فالجامعة مؤسسة عامة، والمجموعة طرف استثماري/ تدريبي، والشراكة استمرت سنوات، والاتفاقية جرى تجديدها، ثم انتهت إلى نزاع مالي وقضائي بهذا الحجم.
ومن حق الرأي العام أن يسأل:
هل كانت دراسة المخاطر كافية قبل توقيع الاتفاقية؟
هل كانت آليات الرقابة المالية واضحة؟
هل كانت المسؤوليات الأكاديمية والإدارية والمالية متطابقة مع طبيعة العلاقة؟
هل جرى تقدير أثر قرارات الاعتماد والطاقة الاستيعابية على النموذج الاقتصادي للشراكة؟
وهل كانت آلية الخروج من الشراكة مكتوبة بطريقة تمنع انفجار النزاع بعد الإنهاء؟
هذه ليست أسئلة لإدانة شخص.
بل أسئلة لتحديد المسؤولية المؤسسية.
الشراكة التي تكلف أكثر من قيمتها:
أحياناً لا تكون المشكلة في أن المشروع خسر.
المشكلة أن المشروع ينتهي دون أن يعرف أحد لماذا خسر، ومن أخطأ في تقدير المخاطر، ولماذا لم تكن العقود كافية لمنع النزاع.
وفي القطاع العام، تصبح المسألة أكثر حساسية.
لأن أي شراكة مع مؤسسة عامة لا ينبغي أن تقاس فقط بعدد سنوات استمرارها أو بعدد الطلبة الذين دخلوا برامجها.
بل يجب أن تقاس أيضاً بقدرتها على حماية المال العام، وضمان وضوح المسؤوليات، ومنع تضارب المصالح، وإدارة المخاطر، ووضع آليات خروج عادلة وواضحة.
السؤال الذي يجب ألا يموت مع الملف:
لقد تحولت هذه الشراكة من اتفاقية تعاون إلى سلسلة طويلة من الإجراءات القضائية.
من 3.9 مليون دينار تقريباً تطالب بها مجموعة طلال أبو غزالة للتدريب المهني، إلى حكم استئناف بمبلغ 545,449 ديناراً للجامعة الألمانية، ثم إلى نقض قضائي لاحق في حدود محددة.
وهذه الأرقام وحدها تكفي لكي نطرح السؤال بصوت مرتفع:
هل كانت المشكلة في الشراكة نفسها، أم في إدارتها، أم في صياغة عقدها، أم في طريقة إنهائها، أم في قدرة الأطراف على إثبات ما يدعونه؟
والسؤال الأهم:
إذا كانت هذه الشراكة قد وصلت إلى هذه النهاية، فمن يتحمل مسؤولية تصميمها وإدارتها ومراقبتها؟
لا ينبغي أن تكون الإجابة دائماً: “المحكمة قالت كلمتها”.
نعم، المحكمة تقول كلمتها في الحقوق التي ثبتت أمامها.
لكن المؤسسات يجب أن تتعلم من الأخطاء التي أوصلت إلى المحكمة أصلاً.
وهنا الفرق بين دولة تدير العقود، ودولة تكتفي بإدارة النزاعات بعد وقوعها.
فالقضية ليست فقط: من ربح ومن خسر؟
القضية الأعمق:
من صمّم هذه الشراكة؟ ومن راقبها؟ ومن سمح لها بأن تصل إلى هذه النهاية؟
وإذا كانت شراكة بهذا الحجم قد احتاجت إلى كل هذا الطريق القضائي حتى تتحدد آثارها المالية، فإن السؤال الحقيقي ليس كم ديناراً حكمت به المحكمة فقط…
بل كم كلفتنا هذه الشراكة من وقت ومال وفرص وثقة، قبل أن تصل إلى قاعات المحاكم؟
وهنا تبدأ مسؤولية الإدارة…
وهنا يبدأ السؤال الذي لا يجيب عنه الحكم وحده.
