منبر الكلمة

مفهوم العبودية لله

رمضانيات (١٣)

نبيل الكوفحي
جاءت رسالة الإسلام بهدف عظيم هو تحقيق العبودية لله، قال تعالى ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ). وقد تكرر ورود هذا الهدف على لسان الانبياء جميعا، منها قوله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وقوله تعالى على لسان سيدنا نوح عليه السلام ( لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ)، وعلى لسان عيسى عليه السلام ( وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ).

في حادثة مفاوضة قريش لرسول الله صلى الله عليه في مكة لثنيه عن الهدف الاساس كان الهدف واضحا بقوله: ( … ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به، فهو حظكم في الدنيا والآخرة، …).

العبودية مشتقة من العبادة، وقد عرَّفها شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله- بقوله: «هِيَ اسْم جَامع لكل مَا يُحِبهُ الله ويرضاه من الْأَقْوَال والأعمال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة»، وقيل: «وَهِيَ اسْمٌ يَجْمَعُ كَمَالَ الْحُبِّ لِلَّهِ وَنِهَايَتَهُ وَكَمَالَ الذُّلِّ لِلَّهِ وَنِهَايَتَهُ». العبودية لله لا تقتصر على اداء بعض العبادات، او ما يسمى بالشعائر التعبدية، بل تتسع لتشمل كافة شؤون الحياة؛ قال ابن القيم – رحمه الله-: ( العبودية اسم جامع لمراتب أربع: من قول اللسان والقلب، وعمل القلب والجوارح،..).

تشمل العبودية من أعلاه وهو الحكم، وقد ربطه الله بالعبادة بقوله تعالى ( إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون)، ويعني مصدر التشريع وأساسيات الحكم من اقامة العدل والشورى ورعاية مصالح الناس، واعلاء كلمة الحق، وازالة العوائق امام البشرية للتعرف على رسالة السماء. وهو ليس شكلا سياسيا محددا والية معينة لتشكيل الحكومات فحسب والله تعالى أعلم.

يدخل في مفهوم العبودية لله التمكين للدين بفعل الخير واقامة الحكم العدل بين الناس وإعمار الارض وتسخيرها لخدمة الناس مسلمين وغيرهم، قال تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا). وأمر الدين لا يقوم على العبادات ذاتية النفع فقط كالصلاة والصوم والذكر، بل لا بد له من العبادات متعدية النفع كالزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، لذلك جعلت خيرية هذه الامة بهذا الفعل متعدي النفع ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله).

المسلم ليس له خيار ان يختار من الإسلام شيئا ويترك أشياء، لذلك كان الفصل القرآني واضحا بهذا السياق ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) وأمر الايمان لا يتعلق باستطاعة الفرد للفعل، بل هو أمر ايمان مطلق لا يتعلق بالقدرة على الفعل، لذلك فان تحلل بعض المسلمين من إيمانهم ببعض ما جاء بكتاب الله وضرورة العمل به بحال الضعف؛ ان الظروف تغيرت، وان حال البشرية اختلفت، لهو أمر خطير يخرج من الدين ان كان ذلك اعتقادا حتى وان صلى وصام، يقول تعالى ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُم).

في رمضان فرصة – خاصة ونحن نقرأ القرآن ونتدبر معانيه- لاعادة استحضار مفهوم العبودية لله، ومحاولة إسقاطها على حياتنا اعتقاداً وسلوكاً، افرادا وجماعات. والتذكير والتبشير من أهل العلم بهذه الحقائق، وتقبل الله صيامكم وتحقيقكم للعبودية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى