منبر الكلمة

مجلس النواب… حين تصبح الشرعية اختبارًا يوميًا

 

عدنان نصّار

لا تُبنى شرعية البرلمانات من صناديق الاقتراع وحدها، بل تُختبر يوميًا داخل القاعة، في المواقف، وفي القدرة على تمثيل الناس لا الاكتفاء بالحديث باسمهم. وفي التجربة الأردنية، يزداد هذا الاختبار قسوة مع اتساع الفجوة بين ما يريده الشارع، وما يقدّمه مجلس النواب من أداء لا يرقى في كثير من الأحيان إلى مستوى التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة.
من المفترض أن يكون المجلس صوت المواطنين الأول، وحارس مصالحهم، والجهة القادرة على موازنة السلطة التنفيذية ضمن معادلة دستورية واضحة. لكن الواقع يشير إلى أن هذا الدور يتآكل تدريجيًا، لا بفعل النصوص، بل بفعل الممارسة اليومية التي تفتقر أحيانًا إلى الجرأة السياسية والإحساس بثقل المسؤولية.
يعاني المسار التشريعي من بطء وإرباك، لا ينسجمان مع تسارع الأزمات المعيشية. قوانين تمسّ تفاصيل الحياة اليومية للأردنيين—من الضرائب إلى الخدمات—تمرّ أحيانًا بنقاشات محدودة، بينما تُرحّل الأسئلة الجوهرية المتعلقة بأثرها الاجتماعي إلى مراحل لاحقة لا تأتي. المشكلة ليست في عدد القوانين، بل في فلسفتها، وفي انفصال بعضها عن الواقع الذي يعيشه المواطن خارج القبة.
أما الدور الرقابي، وهو جوهر العمل النيابي، فيبقى الأكثر إثارة للقلق. الأدوات الدستورية موجودة، لكن استخدامها يتسم بحذر مفرط، يقترب أحيانًا من التراجع الطوعي. أسئلة تُطرح ثم تُنسى، واستجوابات يُلوَّح بها دون استكمال، وكأن الرقابة تحوّلت إلى فعل موسمي، لا ممارسة مؤسسية مستمرة. وحين تفقد الرقابة استمراريتها، تفقد معناها.
في المقابل، يشعر المواطن الأردني أن صوته لا يصل كما ينبغي. قضايا البطالة، الفقر، تراجع الخدمات الصحية والتعليمية، وارتفاع كلفة المعيشة، لا تحظى بالحضور النيابي الذي يوازي ثقلها في حياة الناس. يتحدّث النواب باسم الشارع، لكن الشارع لا يرى نفسه في هذا الحديث، ومع الوقت تتحوّل هذه الفجوة إلى لامبالاة سياسية، وهي أخطر ما يمكن أن تواجهه أي تجربة برلمانية.
لا يمكن تجاهل أن جزءًا من الإشكالية يعود إلى تغليب الحسابات الانتخابية والاصطفافات الضيقة على الدور الوطني العام. نائب يفكّر في الدورة المقبلة أكثر مما يفكّر في ولايته الحالية، هو نائب يؤجّل دوره بدل أن يمارسه. فالعمل النيابي ليس إدارة توازنات ناعمة، بل اتخاذ مواقف واضحة، والمواقف—مهما كانت كلفتها—هي ما يمنح البرلمان معناه الحقيقي.
إن النقد الموجّه لمجلس النواب ليس خصومة مع المؤسسة، بل دفاع عنها. فالمجالس القوية لا تخشى النقد، بل تعتبره ضرورة لإعادة تصويب المسار. وفي بلد يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية معقّدة، لا يملك البرلمان رفاهية الأداء المتوسط أو الخطاب المطمئن.
فالمسألة لم تعد خلافًا على الأداء، بل اختبارًا للمعنى.
إما مجلسٌ يستعيد دوره كضميرٍ عام، أو قبةٌ تفقد صلتها بالشارع… بصمتٍ لا يُغتفر.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى