Uncategorized

ما بين السيد المسيح وجنكيز خان بون شاسع

عمان-الاردن
٢٠٢٦/٣/٢٢
القس الأب سامر عازر

في كل مرحلة من تاريخ البشرية، يقف الإنسان أمام مفترق طرق: أيّ نهج يختار؟ طريق القوة المجردة، أم طريق القيم والرحمة؟ واليوم، يبدو أن نزعة العالم تميل أكثر إلى صورة القائد الذي يفرض هيبته بالسيف، لا إلى صورة المعلّم الذي يغيّر القلوب بالمحبة. وكأننا نقف بين نموذجين متناقضين: السيد المسيح وجنكيز خان، وبينهما بون شاسع لا يُردم.

لقد جسّد جنكيز خان (1162م – 1227) الذي وحد القبائل المغولية المتفرقة نموذج القوة العارية من الضوابط الأخلاقية؛ حيث توسّعت إمبراطوريته والتي أصبحت واحدة من أكبر الإمبراطوريات في التاريخ، وممتدة من آسيا الوسطى إلى أجزاء واسعة من الصين والشرق الأوسط وأوروبا الشرقية. لقد قامت إمبراطوريته على الحروب والبطش وسفك الدماء، حتى صار اسمه مرادفًا للرعب في ذاكرة الشعوب. ولم يكن هذا النهج استثناءً في التاريخ، بل تكرّر في شخصيات لاحقة، مثل هولاكو الذي اجتاح بغداد سنة 1258م، فقتل مئات الآلاف، وأحرق المكتبات، وألقى بكنوز المعرفة في دجلة، في مشهدٍ يُجسّد كيف يمكن للقوة حين تنفلت من الأخلاق أنْ تتحولَ إلى أداة خراب لا بناء.

في المقابل، جاءت رسالة السيد المسيح على النقيض تمامًا. لم يدخل المسيح أورشليم على صهوة حصان حرب، بل على جحش ابن أتان، في صورة تختصر فلسفة كاملة: التواضع بدل التسلّط، والسلام بدل العنف. لم يحمل سيفًا، بل حمل كلمة؛ لم يدعُ إلى إخضاع الآخر، بل إلى محبته. غفر لصالبيه، وعلّم أن “طوبى لصانعي السلام”، واضعًا معيارًا جديدًا للقوة: قوة المحبة لا محبة القوة.

وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: أيّ القوتين أبقى؟ قوة السيف أم قوة الروح؟ إن السيف قد يفرض سيطرة مؤقتة، لكنه يعجز عن كسب القلوب. أما المحبة، فقد تبدو ضعيفة في ظاهرها، لكنها تمتلك قدرة عميقة على التحويل والتغيير، لأنها تخاطب جوهر الإنسان لا خوفه.

لقد نظّر نيكولو ميكيافيلي لسياسة تقوم على الغاية التي تبرر الوسيلة، حيث تُصبح القوة والخداع أدوات مشروعة للحكم. كما ذهب فريدريك نيتشه إلى تمجيد إرادة القوة، معتبرًا أن الضعف لا مكان له في صراع الحياة. غير أن التاريخ نفسه يطرح سؤالًا حاسمًا: هل هذه الفلسفات أنتجت إنسانًا أفضل، أم عالمًا أكثر قسوة؟

إن القوة حين تنفصل عن القيم، تتحول إلى وحشٍ يلتهم صاحبه قبل غيره. وكم من إمبراطوريات قامت على البطش ثم انهارت، تاركة خلفها ذاكرة مثقلة بالألم. أما القيم التي دعا إليها المسيح—من غفران وعدالة ورحمة—فما زالت حيّة، تتجدد في ضمائر البشر، وتبني حيث عجزت القوة أن تبني.

اليوم، ونحن نشهد صراعاتٍ وحروبًا في أكثر من مكان، يعود السؤال بإلحاح: أيّ طريق نسلك؟ هل نستسلم لمنطق القوة المجردة من الضوابط الأخلاقية؟ وهل القوة وحدها تحقق الانتصار الحقيقي؟ أم أن الانتصار الأعمق هو ذاك الذي يُعيد للإنسان إنسانيته؟

إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من “جنكيز خان”، بل إلى استعادة روح المسيح في علاقاتنا الفردية والجماعية. فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على القهر، بل في القدرة على ضبط النفس، وبناء السلام، وصناعة المستقبل على أسس العدالة والكرامة.

ما بين المسيح وجنكيز خان، ليس مجرد اختلاف في الأسلوب، بل اختلاف في الرؤية للإنسان والحياة. الأول يرى الإنسان أخًا يجب أن يُحب، والثاني يراه خصمًا يجب أن يُهزم. وبين هاتين الرؤيتين، يتحدد مصير عالمنا: إما أن يكون ساحة صراع، أو بيتًا مشتركًا يسكنه السلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى