منبر الكلمة

مارغريت أخضر على قبر محمود

 

عدنان نصّار

على قبر محمود، لم يكن هناك رخام لامع ولا شاهد مرتفع.
كان هناك مارغريت أخضر، نبتة صغيرة، عنيدة، تشبهه.
كبرت وحدها، دون ماءٍ كافٍ، دون ظلٍّ يحميها، لكنها قرّرت أن تبقى.
محمود لم يكن اسمًا استثنائيًا في السجلات،
لكنه كان استثناءً في الحياة.
كان واحدًا من أولئك الذين يمرّون خفيفين،
ويتركون ثقلهم في القلوب بعد الرحيل.
حين وقفتُ أمام قبره، أدركتُ أن الموت لا يساوي بين الناس.
بعضهم يرحل فتُغلق الصفحة،
وبعضهم يرحل فتبدأ الأسئلة.
محمود من الفئة الثانية…
رحل، وتركنا نراجع أنفسنا، وأخطاءنا، وصمتنا الطويل.
المارغريت الأخضر لم يكن مصادفة.
كأن الأرض قرّرت أن تعتذر عنه.
أن تقول:
“لم نحسن رعايته حيًا، فلنحفظ أثره بعد الموت.”
محمود كان يعمل بصمت.
لا يطلب الكثير، ولا يشكو كثيرًا.
كان يعرف أن العدالة في هذا العالم بطيئة،
وأن الفقراء يصلون دائمًا متأخرين إلى حقوقهم.
ومع ذلك، كان يبتسم.
ابتسامة من يعرف أن الخسارة ليست دائمًا في الجيب،
بل أحيانًا في الكرامة.
في جنازته، لم يأتِ مسؤول،
لم تُلقَ كلمات كبيرة،
لكن العيون كانت ممتلئة بما يكفي.
كان الحزن واضحًا، صادقًا، بلا بروتوكول.
حزن يشبه المارغريت: بسيط، أخضر، موجِع.
ما يوجع حقًا
أن محمود لم يمت فجأة.
مات بالتقسيط.
قليل من التأمل،
قليل من الأمل،
قليل من الانتظار الذي طال أكثر مما يجب.
مات لأنه صدّق أن الغد أفضل،
وأن الصبر فضيلة،
وأن الوطن يتّسع للجميع…
ثم اكتشف متأخرًا أن بعض الأوطان تضيق على أبنائها الطيبين.
المارغريت الأخضر على قبره
ليس زينة،
بل شهادة.
شهادة على أن الحياة، رغم قسوتها،
تحاول أحيانًا أن تكون عادلة… ولو متأخرة.
حين غادرت المقبرة،
التفتُّ مرة أخيرة.
كانت النبتة ثابتة،
كأنها تحرس اسمه،
وتقول لكل عابر:
هنا يرقد إنسان لم يُنصفه العالم… لكنّه لم يخن إنسانيته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى