موزاييك

كيف تُعيد الرسائل اليومية السلبية تشكيل وعي الإنسان، وتحوّل القلق الفردي إلى حالة جماعية تطال العلاقات والمجتمع

اَفاق نيوز

11/1/2026

تقول دراسات حديثة إن الإنسان المعاصر يتعرّض يوميًا لما يزيد عن ثلاثة آلاف وخمسمائة إعلان أو منشور أو تعليق عبر وسائل التواصل المختلفة. رقم قد يبدو تقنيًا أو عابرًا، لكنه في الحقيقة مفتاح لفهم حالة الضيق والقلق والتوتر التي باتت تطبع حياة كثيرين، حتى أولئك الذين لا يعيشون بالضرورة ظروفًا استثنائية أو كارثية.

المشكلة ليست في الكم وحده، بل في طبيعة الرسائل التي نتلقّاها باستمرار. فجزء كبير من هذا المحتوى يخبر الإنسان، بشكل مباشر أو غير مباشر، أنه يعيش في واقع سيئ، وأن النظام التعليمي الذي مرّ به فاشل، وأن مستقبله ومستقبل أبنائه مهدد، وأن المجتمع من حوله أناني أو فاسد، وأن لا جدوى من المحاولة ولا أفق للتغيير. ومع التكرار اليومي، تتحول هذه الرسائل من آراء عابرة إلى حقائق راسخة في الوعي.

الدماغ البشري لا يتعامل مع ما يُعرض عليه بوصفه خبرًا محايدًا، بل بوصفه توصيفًا للحياة. ومع التكرار المستمر، تتكوّن صورة ذهنية للعالم على أنه مكان عدائي، مليء بالأخطار، قليل الفرص، ما يدفع الإنسان إلى الإحساس الدائم بالضعف والعجز، حتى وإن كانت تجربته الواقعية أقل قتامة مما يُصوَّر له.

ومع تصاعد هذا الضغط النفسي، يبحث الإنسان عن مهرب. فيلجأ إلى المتع القصيرة؛ متابعة مباراة، الانخراط في جدل إلكتروني، التفاعل مع حدث عابر، أو ملاحقة “ترند” يمنحه شعورًا مؤقتًا بالانشغال أو الانتصار. غير أن هذه المتعة سرعان ما تتلاشى، ليعود الإحساس ذاته: قلق، ضيق، غضب، وتوتر غير مبرر، وكأن شيئًا ما يضغط على الداخل دون أن يكون له عنوان واضح.

هذا الإرهاق النفسي لا يبقى محصورًا في داخل الفرد، بل ينعكس على علاقاته الاجتماعية والإنسانية. حين يُقنَع الإنسان بأن العالم سيئ بطبيعته، يبدأ بالنظر إلى الآخرين بعين الشك وسوء الظن، وتضعف قدرته على التفهّم والصبر والتسامح. ومع الوقت، تتآكل العلاقات الأسرية والزوجية، ليس بسبب حدث كبير بالضرورة، بل نتيجة تراكم شعور عام بأن الحياة عبء، وأن المستقبل تهديد، وأن الآخر مصدر توتر لا شراكة.

في هذا السياق، يمكن فهم جانب من حالات التفكك الأسري والطلاق التي نشهدها اليوم، ليس بوصفها نتيجة مباشرة لمحتوى رقمي، بل كنتيجة لبيئة نفسية عامة صاغت تصورًا مشوهًا للحياة ونمط العيش، وزرعت في اللاوعي الجمعي إحساسًا دائمًا بالعجز وعدم الرضا.

ومن المهم هنا التمييز بوضوح: المشكلة ليست في نقد الواقع أو كشف الأزمات، فالنقد ضرورة والوعي شرط للتقدم. إنما تكمن الخطورة في تحويل النقد إلى خطاب دائم بلا أفق، وفي تسويق الإحباط على أنه وعي، واليأس على أنه حكمة، والعجز على أنه واقعية. حين يغيب التوازن، يفقد الإنسان قدرته على رؤية ما يمكن إصلاحه، وما يمكن بناؤه، وما يزال ممكنًا رغم كل شيء.

نحن لا نعيش فقط أزمات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، بل نعيش داخل بيئة إدراكية سامة، تُضخّم السلبيات، وتهمّش النجاحات، وتُضعف ثقة الإنسان بنفسه وبمحيطه. بيئة لا تقول له إن الواقع صعب فحسب، بل تقنعه بأنه ميؤوس منه.
أخطر ما في هذه البيئة أنها لا تجعل الإنسان تعيسًا فقط، بل تجعله يعتاد التعاسة، ويتعامل معها بوصفها الحالة الطبيعية، بينما يصبح الأمل فعلًا استثنائيًا يحتاج إلى تبرير.

وهنا، لا يعود السؤال: لماذا نشعر بكل هذا التعب؟
بل يصبح السؤال الأعمق: منذ متى أصبح الإحساس بالعجز هو الوضع الطبيعي للإنسان في العصر الرقمي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى