قراءةُ شخصية: الاستاذ الدكتور عبدُ المجيدِ نصير: سيرةُ عقلٍ رياضيٍّ يُؤصِّلُ الهويّةَ ويشتبكُ مع سؤالِ النهضة

إعداد/د.منير عقل
تُتيحُ سيرةُ الأستاذِ الدكتورِ عبدِ المجيدِ نصير قراءةً مركّبةً لشخصيّةٍ علميّةٍ لا تُختزلُ في تخصّصها الرياضيِّ الدقيق، بل تتجاوزُ ذلك إلى نموذجٍ للمثقّفِ العضويِّ الذي اشتبك مع أسئلةِ الهويّةِ والمعرفةِ والسياسة، في سياقٍ أردنيٍّ وعربيٍّ كان يبحثُ عن توازنه بين الأصالةِ والتحديث. فقد وُلد سنةَ 1941 في الحصن/إربد، وأنهى دراستَه الثانويةَ سنةَ 1958، ثم انتقل إلى الجامعة الأمريكية في بيروت حيث حصل على بكالوريوس الرياضيات سنةَ 1962، وأتبعها في العام نفسه بدبلومٍ في فنِّ التعليم، ثم نال درجةَ الماجستير في الرياضيات سنةَ 1966، قبل أن يرحل إلى جامعة براون في الولايات المتحدة الأميركية، ليحصل على ماجستير في الرياضيات التطبيقية سنةَ 1968، ثم الدكتوراه في التخصّص نفسه سنةَ 1969؛ وهو تسلسلٌ علميٌّ يكشفُ عن تكوينٍ أكاديميٍّ متدرّجٍ ومنهجيٍّ جمع بين الصرامةِ النظريةِ والتطبيقِ العملي، وأنتج عقليةً تحليليةً دقيقةً تقومُ على البرهانِ والنمذجة، غير أنّ هذا التكوين لم يُنتج عالِمًا تقنيًّا محضًا، بل أفضى إلى عقلٍ نقديٍّ يرى في الرياضيات لغةً كونيةً، لكنه في الوقت ذاته يُدرك أنّ لغةَ التعليم ليست حياديةً ثقافيًا، بل حاملةٌ للهويةِ والرؤيةِ الحضارية، ومن هنا يمكن فهمُ انتقاله من “الرياضيات بوصفها علمًا” إلى “الرياضيات بوصفها رسالة”، وهو انتقالٌ فلسفيٌّ عميقٌ يربط بين المعرفةِ والوجود، وبين العلمِ والانتماء.
وقد تنقّل في مسيرته المهنية بين التعليم المدرسي والجامعي في الأردن ولبنان والولايات المتحدة، قبل أن يستقرَّ في العمل الأكاديمي داخل الجامعات، حيث برز دورُه المؤسسي في جامعة اليرموك التي عمل فيها أستاذًا في أواخر السبعينيات، وتولّى فيها مواقعَ قياديةً متعددةً مثل عميدِ شؤونِ الطلبة، ومديرِ دائرةِ الرياضيات، ورئيسِ قسمِ العلومِ الأساسية، ورئيسِ قسمِ العلومِ الرياضيةِ والفيزيائية، ثم انتقل لاحقًا إلى جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية ليتولّى عمادةَ الدراسات العليا، وهي مواقعُ تعكسُ ثقةَ المؤسّسة بعقله التنظيمي وقدرته على تحويلِ المعرفة إلى سياساتٍ تعليمية، كما تكشفُ عن حضورِه الفاعل في بناءِ البنية الأكاديمية لا مجرّدِ الانخراط فيها. ولم يكن تأثيرُه مقتصرًا على الإدارة، بل امتدّ إلى التكوينِ المعرفيّ للطلبة، إذ ينتمي إلى نمطِ الأساتذة الذين لا يدرّسون المقرّر فحسب، بل يصوغون طريقةَ التفكير، وهي سمةٌ نادرةٌ في حقلِ العلوم الصلبة.
وفي موازاةِ هذا الحضور الأكاديمي، انخرط نصير في فضاءاتٍ فكريةٍ وثقافيةٍ أوسع، فكان عضوًا عاملًا في مجمع اللغة العربية الأردني وعضوًا في هيئة تحرير مجلته، وعضوًا في الجمعية الأردنية لتاريخ العلوم، بل وترأسها في إحدى الدورات، كما كان عضوًا مؤسسًا في جمعية الدراسات والبحوث الإسلامية، ومرتبطًا بـ المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وهو ما يكشف عن وعيٍ يتجاوز التخصّص إلى مشروعٍ حضاريٍّ يسعى إلى إعادة وصلِ العلم الحديث بجذوره الثقافية العربية الإسلامية.
وفي قلبِ هذا المشروع تبرزُ مساهمته النوعية في الدعوةِ إلى تعريبِ التعليم الجامعي، وخاصةً في حقلِ الرياضيات، حيث شكّل كتابُه في التفاضل والتكامل علامةً فارقة، إذ لم يكن مجرّدَ ترجمةٍ أو تبسيط، بل إعادةَ إنتاجٍ للمعرفة بلغةٍ عربيةٍ علميةٍ منضبطة، استطاعت أن تحافظ على الدقّةِ المفاهيمية دون أن تفقد روحَ اللغة، وهو ما يفسّر اعتمادَه منهجًا في معظم الجامعات والكليات الأردنية؛ ويمكن قراءةُ هذا الجهد ضمن ثلاث طبقاتٍ متداخلة: طبقةٍ معرفيةٍ تثبت قدرةَ العربية على استيعاب أدقّ المفاهيم، وطبقةٍ تربويةٍ تمكّن الطالب من الفهم العميق بلغته الأم بدل الحفظ الشكلي بلغةٍ أجنبية، وطبقةٍ حضاريةٍ تقاوم التبعيةَ المعرفية وتعيد الاعتبار للذات العلمية العربية، بما يجعل من التعريب عنده مشروعًا علميًا لا مجرّدَ شعارٍ أيديولوجي.
غير أنّ سيرةَ نصير لا تكتمل دون التوقّف عند تجربته السياسية والاجتماعية التي تكشفُ عن بُعدٍ آخر في شخصيته؛ فقد أُنهيَ عملُه في جامعة اليرموك سنةَ 1985، ليخوض تجربةً حياتيةً لافتةً حين افتتح مخبزًا في بلدته الحصن، في تعبيرٍ عن استقلاليةٍ شخصيةٍ وكرامةٍ مهنيةٍ ترفض الارتهان للوظيفة، ثم ترشّح للانتخابات النيابية التكميلية سنةَ 1986، في لحظةٍ سياسيةٍ أردنيةٍ حسّاسة، وقد روى بنفسه ما تعرّض له من ضغوطٍ وتدخّلاتٍ وتزويرٍ للنتائج، مدعّمًا طعنه بتحليلٍ إحصائيٍّ أشار فيه إلى نسبِ تصويتٍ غير منطقية بلغت في بعض الصناديق 130%، وهي واقعةٌ تحمل دلالاتٍ عميقةً على طبيعة الحياة السياسية آنذاك، حيث كان المجال العام محكومًا بتوازناتٍ أمنيةٍ وسياسيةٍ تحدّ من النزاهة المطلقة للانتخابات . وقد بلغ التوتّر ذروته باعتقاله لمدة أسبوعين قبل عرض طعنه على مجلس النواب، في خطوةٍ يمكن قراءتُها سياسيًا بوصفها محاولةً لضبط المجال الاحتجاجي ومنع انتقاله إلى داخل المؤسّسة التشريعية، غير أنّ المفارقة تتجلّى في لقائه لاحقًا برئيس الوزراء دولة المرحوم زيد الرفاعي، الذي اعتذر له شخصيًا ورسميًا، وأبدى تفهّمًا لغضبه، بل وعرض عليه اختيارَ موقع عمله، في مشهدٍ يعكس طبيعةَ الدولة الأردنية في تلك المرحلة، حيث تتجاور الصرامةُ الأمنية مع مرونةٍ سياسيةٍ لاحقة تسعى إلى احتواء التوتّر وإعادة دمج الكفاءات ضمن مؤسّسات الدولة؛ وقد اختار نصير العودةَ إلى ميدان التعليم، ليُعيَّن في جامعة العلوم والتكنولوجيا بدعمٍ من وزير التعليم العالي آنذاك المرحوم الاستاذ الدكتور ناصر الدين الأسد، بعد أن اعتذر رؤساء ثلاث جامعات وقَبِل به رئيسُ الجامعة معالي الاستاذ الدكتور كامل العجلوني، في دلالةٍ على أنّ مسيرته لم تكن مجرّدَ خطٍّ تصاعديٍّ تقليدي، بل مسارًا متعرّجًا يعكس تفاعل الفرد مع بنية الدولة والمجتمع.
وتكشفُ هذه التجربة، في بعدها التحليلي، عن شخصيةٍ لا تفصل بين العلم والموقف، ولا بين المعرفة والكرامة، إذ يجتمع فيها العالِم والمثقّف والفاعل الاجتماعي؛ فهو عالِمُ رياضياتٍ تطبيقية نشر أكثر من 130 بحثًا وكتابًا، وباحثٌ في التراث العلمي العربي يسعى إلى استعادة الذاكرة الحضارية، وشاعرٌ يحمل حسًا وجدانيًا يوازن صرامة العقل، وإنسانٌ خاض تجربة العمل اليدوي والسياسي دون أن يفقد اتزانه. ومن خلال هذا التداخل تتّضح ملامح مشروعه الوطني والقومي والإسلامي، حيث يُسهم وطنيًا في بناء جامعةٍ ذات هوية، وقوميًا في الدفاع عن العربية لغةً للعلم، وإسلاميًا في استعادة وحدة المعرفة بين الدين والعلم، وهي رؤيةٌ تنطلق من قناعةٍ عميقة بأنّ الأمة التي تفكّر بغير لغتها تظلّ مستهلكةً للمعرفة لا منتجةً لها.
ومع ذلك، فإنّ القراءة الموضوعية المتوازنة لمشروعه تقتضي الإقرار بالتحدّيات التي تواجه تعريب التعليم، وفي مقدّمتها ضعف البيئة البحثية العربية وهيمنة اللغة الإنجليزية عالميًا، بما يفرض معادلةً دقيقةً بين التعريب والانفتاح، غير أنّ نصير – في مجمل تجربته – لم يكن داعيةَ انغلاق، بل كان يسعى إلى تعريبٍ منفتحٍ يوازن بين الأصالة والتواصل مع المنجز العلمي العالمي.
وخلاصةُ القول إنّ سيرةَ عبدِ المجيد نصير تمثّل محاولةً عمليةً للإجابة عن سؤالٍ نهضويٍّ مركزي: كيف نكون معاصرين دون أن نفقد ذواتنا؟ وقد جاء جوابه من خلال مسيرته لا تنظيره، عبر التأصيل اللغوي للعلم، والاشتباك مع الواقع، والوفاء للهوية دون القطيعة مع العالم، ليغدو بذلك ليس مجرّدَ أستاذِ رياضيات، بل مشروعًا نهضويًا متجسّدًا في فردٍ سعى لأن يتحوّل إلى تيار.



