في يوم الأم وذكرى الكرامة، وقفة تأمل

بقلم.. نايف المصاروه.
(الأم) في المعنى، عند أهل اللغة هي أصْلُ الشيء ومَجْمَعُه؛
لذلك سُميت (الأم) لكونها أصْلََا، فهي مَجمَع خَلْق الإنسان، إذ يُجمع في رحِمِها وقد تفَرَّع عنها، وهي عمادُه.
و(أمُّ) كل شيءِِ أصْلُه وعِمادُه، فكل شيءِِ انضمت له أشياءُ فهي (أُمٌّ) لها.
والأم هي عنوان العطف والبذل والعطاء، في حضرتها يكون الأمن والسكينة، وفي غيابها أو فقدها تكون المعاناة والألم.
جاء الأمر الإلهي العظيم بتوقيرها وبرها والإحسان إليها في حياتها وبعد مماتها.
ولو بذل الأبناء كل معاني الوفاء والعطاء، ما عدل ذلك لحظة من لحظات معاناة الحمل وألم المخاض والولادة.
جاء في الأدب المفرد للإمام البخاري، أن ابن عمر رضي الله عنهما، شهد رجلا يمانياً يطوف بالبيت، كان قد حمل أمه على ظهره يقول :إني لها بعيرها المُذلل..
إن أُذعرت ركابها لم أُذعر، ثم قال: يا ابن عمر… أتراني جزيتها؟
قال ابن عمر “لا ولا بزفرة واحدة”
وأن رجلًا أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: “إن لي أمًّا بلغ بها الكبر، وإنها لا تقضـي حاجتها إلا وظهري مطية لها وأوضِّئها، وأصـرف وجهي عنها – أي: عند وضوئها – فهل أدَّيْتُ حقَّها؟
قال: لا، قال: أليس قد حملتها على ظهري، وحبستُ نفسـي عليها؟
قال: إنها كانت تصنع ذلك بك، وهي تتمنَّى بقاءك؛ وأنت تتمنَّى فراقها”.
نعم للأباء.. ونعماً منهم وبهم وهم من أسباب وجودنا، لكن لا يعلم معاناة الحمل والولادة والعناية إلا الأمهات.
ولا عجب ولا يستغرب أن تكون الأم هي أساس المجتمعات، ولا يستكثر عليها أن تكون الجنة تحت أقدامها، ولا عجب أن يوصي المعلم والفقيه الأول نبينا وحبيبنا محمد عليه افضل الصلاة والسلام، بالإحسان إلى الوالدين وبرهما في حياتهما وبعد مماتهما، وإظهار شأن الأم بشكل خاص، في كثير من التوصيات والتوجيهات، كرده عليه الصلاة والسلام على السائل الذي قال.. ، يا رسول الله أيُ الناس أحقُ بحسن صحابتي؟
فقال له.. أمك ثم أمك ثم أمك، ثم أباك .
إعداد النساء ليكونن أمهات ومربيات ، لا يكون إلا من خلال حسن التربية ودوام الأدب وتمام الأخلاق، من خلال منهاج ومشكاة الوحي – القرآن والسنة، وعلى أساس ذلك المنهج، وعلى أنوار تلك المشكاة، يكون صلاح المجتمع واستقامته وقوة بنيانه.
ولا يكون لأي مناسبة أو عيد.. أي معنى إلا بالقرب من الأم، وصدق من قال ” الأُم ملم”.
الأمهات ليس لهن.. يوم محدد أو مخصوص للعيد والبرّ ،فكل أيامها عيد.
وليس من البر أن نأتي في يوم مخصوص، ونقدم لها بعض الهدايا والعطايا، ونطبع على جبينها ووجنتيها بعض القبلات، ثم نطلب الرضى والدعوات ،… وذلك جميل وحسن، ولكن المذموم ان تقطع الزيارة عنها لأيام وربما أكثر…!
ولهذا جاء الأمر الرباني العظيم والهدى النبوي الكريم، بوجوب بر الوالدين والإحسان لهم على الدوام في حياتهم وبعد مماتهم.
أليس من العقوق الصااارخ، وجود بعض الأمهات والأباء في دور الإيواء والمسنين ؟
أليس من العقوق العظيم.. أن يقف بعض الاباء أو الأمهات، أضداداً مع بعض أبنائهم أمام القضاء من أجل الحصول على بعض الحقوق ؟
ثم أشارة للتفكر والتدبر.. ومحاولة الفهم والتغيير للأفضل، أليس من أسباب العقوق، أن ترى بعض الأمهات والمربيات والمرضعات، سافرات متبرجات وغير محتشمات !
كيف ستكون قدوة ومثالاً لإبنتها؟
الأم هي مدرسة الكرامة، ومربية الأجيال، وعليها وبالإشتراك مع الأب تقع مسؤولية القدوة…!
أما الكرامة.. أيها السادة .. فهي شعور إنساني، يعني الترقي والترفع عن مواقع المهانة وكل أسباب الذل ومواطن الإبتذال .
كما أن الكرامة إسم مكان يقع على الضفة الشرقية لنهر الأردن، وعلى ذلك الثرى الطهور.
ففي صباح يوم 21 /3 من عام 1968،كان للنشامى من أبطال الجيش العربي الأردني بقيادة الملك الباني الحسين رحمه الله، وقفة عز وبطولة في موقعة الكرامة، فحققوا النصر المبين، على الصهاينة الطامعين المجرمين، قتلة الأنبياء ودعاة الفتنة والرذيلة،واعداء الحق والسلام.
وبالرغم من قلة العدد والعتاد، وإضافة الى الكيد وكثرة المؤامرات من هنا وهناك.
إلا أن نشامى الجيش العربي سطروا في معركة الكرامة، نصرا مؤزرا وكسروا شوكة جيش عصابة الاحتلال، الذي كان يعلن بأنه لا يقهر.
ذلك النصر الذي سطره ابطال الجيش العربي، في موقعة الكرامة، كان دليلا وبرهانا لكل الاجيال، على ان الحق لا يموت وإن طال الزمان لإعادته وإسترداده.
كما كانت دليلا آخر على ان الجندي العربي والمسلم، لا يقبل بالعار والذل والهوان.
وأن العربي إن أراد أن يقاوم الباطل، وكل دعاته وقواه، من منطلق الدفاع عن الحق وعدم القبول بالظلم والطغيان، فإنه قادر على تحقيق النصر ورد العدوان، ولو كان لا يملك إلا القليل من العدد العتاد.
معركة الكرامة، موقعة نصر وعزة وفخر للأردنيين ولكل العرب.
وإن أردنا الكرامة على الدوام، يجب أن نرفض كل عوامل الذل والاستسلام، وكل مظاهر الضعف والانقسام.
فإن أكثر ما يغيظ بني صهيون هو الدعوة إلى التمسك بالوحدة و بالدين وضوابطه واخلاقه، لأنهم يعلمون ان الدين هو مصدر القوة والعزة والوحدة.
ولهذا يحاربوننا في ديننا ويكثرون حوله الشبهات، ويسعون لفرقتنا يكثرون والوقيعة و الخلاف بيننا.
يأتي عيد الأم وذكرى الكرامة هذا العام، واحداث جسام تعصف بمنطقتنا العربية ، ومتغيرات وتحالفات دولية، تستهدف الوجود العربي في كل معانيه، أعلن عن ذلك قادة بني صهيون ومن يؤازرهم مراراً وتكرارا.
وبكل أسف.. كانت الردود على ذلك يعلوها الخوف والجبن ،شجب وإستنكار وإدانات تكرر إعلانها، قد خبرها العدو فازدادت غطرستة وكثر تماديه السافل وفي كل الاتجاهات .
فستأسدوا على أهل فلسطين وغزة، فقتلوا وهجروا وشردوا ودمرَوا، وهو نهجهم وبالمؤامرة والإغتصاب والقتل وكل مسميات الإرهاب الإجرام.
ثم تمددوا إلى لبنان وسوريا واليمن، ثم أغاروا على إيران، في حرب بات شبحها ينذر بكارثة على العالم أجمع، كل ذلك ليثبت الطرفين أيهما يكون الأقوى ليتصدر القرار في الشرق الأوسط.
وذلك كله ما كان ولن يكون، إلا بعد ان توالت نكسات العرب وكثرت هزائمهم ، وظهر شتات أمرهم وتفرق جمعهم، وتشظت قوتهم، وأصبح بأسم بينهم، ورضوا بالذل وواقع الذل والمهانة والإستسلام.
مما يستوجب الرد والمواقف المختلفة، وتغيير في كل قواعد الاشتباك السياسي والاقتصادي والعسكري.
ولهذا اقول.. للسادة والقادة وصناع القرار في عالمنا العربي والإسلامي، إن أردتم الكرامة.. والنصر على الصهاينة ومن في حلفهم، إجعلوا من الطاعة لربنا سبيلا وشعارا،
ثم إجعلوا من القرآن منهجا لكل حياتكم، ففيه العزة والنجاة،
واتخذوا من التقوى والعمل على تحقيق التوازن وامتلاك كل أسباب القوة منطلقا ومنهجا.
إن من معاني الكرامة.. حفظ كرامة الفرد والمجتمع والأمة، وصونها عن كل اسباب الذل والابتذال، في سياستها واقتصادها وكل شؤونها.
وإن من الكرامة أن يعي المواطن الشريف والغيور دوره الوطني ، فلا تستقيم المواطنة والكرامة،وبعض من هم منا وبيننا، يذهبون في زيارات ومشاركات لإحتفالات، تقيمها بعض جهات دبلوماسية مشبوهه تتربص ببلادنا شرا.
وليس من الكرامة والمواطنة، أن يميل البعض، حيث مالت رياح العطايا والصرر.
وليس من الكرامة والمواطنة، أن يتخذ البعض موقف الحياد، عندما يتعرض الوطن لأي خطر أو تهديد أنى كان مصدره أو مستواه .
ومن الكرامة.. وواجب المواطنة وحق الوطن، الإعداد الحقيقي والمستطاع للقاء العدو، وذلك.. يعني ان تقوم الدولة بكل مؤسساتها بواجب التوجيه الوطني، وضرورة. تغيير النهج المتبع بتغيير جذري، لبعض الصور ولكثير من الشخصيات الذين تكرر ظهورهم عبر كل الوسائل، وكأن الأردن لا يحوي غيرهم ، ناهيك عما يحمله تاريخ بعضهم من المآخذ والسقطات.
كما يجب أن يكون التوجيه، ببيان دور المواطن.. وان يكون عونا لأجهزة الدولة.
وذلك يقتضي البعد عن صنع الأزمات والمنغصات،والحذر من بعض القرارات والتصرفات، التي تستنفذ ما تبقى من رصيد الثقة عن العامة.
كما يقتضي ايضاَ أن يُعد كل منا ما استطاع من أدوات ولو كانت يسيرة، يضعها في بيته وفي متناول يده ، ولو كانت عصا ينفض الغبار عنها بين كل حين وآخر، لتنمية فكر الأجيال على مفهوم الإعداد والإستعداد.
“فليس إبن غفير وهو مجرم محتل احرص أو أحق منا، بالدفاع عن التراب الوطني” .
في يوم الأم.. وفي كل الأيام وفي كل حين وآن، سلام على روح أمي وأبي وكل الآباء والأمهات، الذين غادروا الدنيا وضيقها واوجاعها.
وفي يوم الكرامة… سلامٌ على أرواح كل الشهداء الذين قضوا وارتقوا في الكرامة، وعلى أسوار القدس ، وفي اللطرون وباب الواد وفي كل مكان في سبيل الله، ومن اجل كرامة الدين والوطن وأهله .
وفي يوم الكرامة.. سلامٌ على الحسين الأول والحسين الثاني وطلال وعبدالله الأول والثاني، دعاة الحق والوحدة وأهل الكرامة وصناعها ودعاتها .
و سلامٌ علـى الجـيش، كل الجيش وأجهزتنا الأمنية، رمز العزة والكرامة.
وفي يوم الأم والكرامة، سلامٌ على كل أم ترضع ابنها وتُعدُه وتُربيه، على أن الأوطان تُفتدى بالأرواح والدماء.
وفي يوم الكرامة… سلامٌ على كل أردني حر شريف.. ترفع عن الصغائر ويسعى للكرامة، رغم كل المثبطات والمحبطات ، ولكنه آمن.. أن الحفاظ على الوطن هو عنوان الكرامة، التي إن فقدت أو خُدشت لا قدر الله، لا ولن يعدلها ملئُ الأرض ذهبا .
. كاتب وباحث أردني.



