منبر الكلمة

في معنى أن نكون أردنيين عربًا مسيحيين

عمان-الأردن
٢٠٢٦/٢/٢٦
القس سامر عازر

من أجمل المصطلحات التي تنصف واقعنا وتعبّر عن حقيقتنا ما يردّده دومًا معالي الدكتور رجائي المعشر: “الأردنيون العرب المسيحيون”.
هو تعبير لا يصف فئة، بل يختصر هوية متكاملة، متصالحة مع ذاتها، واضحة في انتمائها، راسخة في جذورها.
نحن أردنيون أولًا بهويتنا الوطنية الجامعة، ونحن عرب بانتمائنا الحضاري والثقافي والتاريخي، ونحن مسيحيون بإيماننا الذي يثري هذه الهوية ولا يناقضها. هذه الدوائر ليست متنافسة، بل متكاملة، تتعاضد لتشكّل شخصيتنا الجماعية.
وقد عبّر الفيلسوف الفرنسي جاك ماريتان عن معنى الوطن بقوله: “الوطن ليس مجرد أرض، بل شركة تاريخ ومصير وقيم مشتركة.”

وهذا هو الأردن بالنسبة لنا: شركة مصير، ومسؤولية مشتركة، وعهد أخلاقي نلتزم به جميعًا. فهويتنا الوطنية ليست إطارًا إداريًا، بل رابطة قيمية تتقدم على أي انتماء فرعي، وتمنح لكل انتماءاتنا معناها الصحيح.
أما عروبتنا، فهي فضاؤنا الواسع، لغتنا التي نفكر بها ونصلّي ونكتب ونحلم. هي الإرث الحضاري الذي أسهم في تقدم الإنسانية، وهي التحدي المعاصر بأن نستعيد دورنا في ميادين العلم والمعرفة، لا أن نبقى على هامش الإنجاز. إن الانتماء للعروبة ليس حنينًا إلى الماضي، بل مسؤولية لصناعة المستقبل.

وفي علاقتنا الدينية، مسيحيين ومسلمين، لا ينبغي أن يكون اختلاف الفهم اللاهوتي سبب افتراق، بل حافز تنافس في الخير. وقد قال القس والمناضل الأمريكي مارتن لوثر كينغ: “نحن قد نختلف في العقيدة، لكننا لا نستطيع أن نختلف في إنسانيتنا.”
إن إنسانيتنا المشتركة، وإيماننا بالله الواحد، يجب أن يدفعانا إلى إظهار صفاته في حياتنا: عدلًا ورحمةً وسلامًا. فالدين حين يُعاش بصدق، يعمّق المواطنة ولا يضعفها، ويغني العروبة ولا يناقضها.

أما أردنيتنا، فهي المظلّة الجامعة التي نلتف حولها جميعًا، تحت الراية الهاشمية، في مسيرة بناء الدولة وصون كرامة الإنسان. وقد لخّص جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال فلسفة الدولة الأردنية بقوله: “الإنسان أغلى ما نملك.”
هذه العبارة ليست شعارًا، بل قاعدة أخلاقية لهويتنا الوطنية: الإنسان أولًا، كرامته أولًا، وحدته أولًا. وحين يكون الإنسان هو القيمة العليا، تسمو الهوية الوطنية فوق أي انتماء ضيق، دون أن تلغي ثراءه الروحي.

إنَّ هويتنا الوطنية والعروبية تسمو على أي انتماء ديني، لا لتلغيه، بل لتنظّمه وتضعه في إطاره الصحيح. فالدين يُغني الروح، والعروبة تصوغ الوجدان، والوطن يؤطر الحياة المشتركة. وحين تتكامل هذه الأبعاد، يتشكل غنى روحي وإرث إنساني عميق.

نحن أردنيون عرب مسيحيون، وسنبقى نقبض على جمر عروبتنا، لا تعصبًا بل وفاءً، لا انغلاقًا بل انفتاحًا مسؤولًا. وهويتنا – الوطنية والعروبية، المسيحية والإسلامية – ليست عبئًا نحمله، بل رسالة نعيشها، وشهادة نقدّمها، وأمانة نصونها للأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى