منبر الكلمة

في زمن “الهبد الإعلامي”… من بقي اعلاميا و صحفياً فعلاً؟

د. خلدون نصير / المدير المسؤول

في وقت لم يكن فيه أحد يحلم بامتلاك منبر عام، أصبح اليوم كل شخص يحمل هاتفاً قادراً على الوصول إلى آلاف الناس خلال دقائق. هذا التحول لم يكن شراً بحد ذاته، بل كان تطوراً طبيعياً في أدوات التواصل والتعبير. لكن المشكلة بدأت حين اختلطت حرية التعبير بفوضى المعلومات، وتحوّل الرأي الشخصي إلى “خبر”، والانفعال إلى “تحليل”، والصراخ إلى “حقيقة”.

ولم يعد السؤال اليوم: من يملك منصة؟ بل: من يملك المسؤولية؟

منصات التواصل الاجتماعي منحت الجميع صوتاً، لكنها في المقابل أسقطت الحواجز بين المعرفة والادعاء، وبين المعلومة والشائعة، وبين الصحفي الحقيقي ومن يظن أن امتلاك حساب وعدداً من المتابعين يجعله إعلامياً.

وهكذا أصبحنا نعيش في زمن يسبق فيه “الترند” الحقيقة، وتنتشر فيه المعلومة الخاطئة أسرع بكثير من تصحيحها.

الصحافة لم تكن يوماً مجرد عملية نشر ، هي مسؤولية قبل أن تكون مهنة، ووظيفة اجتماعية قبل أن تكون وسيلة شهرة. الصحفي الحقيقي يتحقق من المعلومة قبل أن ينشرها، ويستمع لكل الأطراف، ويفرّق بين رأيه الشخصي وما هو موثق، ويعرف أن اسمه ومؤسسته يتحملان مسؤولية كل كلمة تخرج. هذا لا يعني أن الإعلام المهني معصوم، فالأخطاء والانحيازات موجودة في كل مكان، لكن الفارق الجوهري أنه يملك ما تفتقده الفوضى الرقمية تماماً: المحاسبة.

هناك تصحيح واعتذار ومسؤولية قانونية وسمعة مؤسسية قد تُبنى لعقود وتنهار بسبب خبر واحد غير دقيق.

أما على السوشال ميديا فمن يحاسب؟ منشور واحد يشوّه سمعة إنسان أو يضلل آلاف الناس، ثم يُحذف ببساطة وكأن شيئاً لم يكن.

والأخطر من الأخبار الكاذبة نفسها أن هذه المنصات لا تكافئ الدقة، بل تكافئ الإثارة. المنشور المتزن والمدروس يحصل على تفاعل أقل بكثير من المنشور الصاخب والمستفز، وكلما كان المحتوى أكثر غضباً أو تهويلاً زادت فرص انتشاره.

وهكذا تصبح الخوارزمية هي رئيس التحرير الحقيقي، لا الضمير المهني ، ولم تعد الحقيقة هي ما ينتصر دائماً، بل ما يحقق مشاهدات أعلى.

حين يتحدث شخص لا يملك أي معرفة طبية في قرارات صحية حساسة، أو يحلل آخر لا يفهم في الاقتصاد قرارات مالية معقدة، أو يصدر ثالث أحكاماً قانونية بناءً على مقطع مجتزأ شاهده في “ريلز”، فنحن لا نتحدث عن حرية تعبير فقط، بل عن صناعة وعي زائف.

المشكلة لم تعد في وجود الجهل، بل في تحوّله إلى محتوى جماهيري واسع التأثير.

وبات كثير من الناس يثقون بفيديو قصير أكثر مما يثقون بتحقيق صحفي مهني، ليس لأن الأول أكثر دقة، بل لأنه أسرع وصولاً إلى المشاعر ، لكن المشاعر لا تصنع حقيقة، والانتشار السريع لا يعني الصواب.

الصحافة الحقيقية كانت دائماً حماية للمجتمع من التضليل، ومراقبة للسلطة، وتوثيقاً للأحداث، وبناءً لوعي عام متوازن.

وهذه الوظيفة لا يؤديها شخص يبحث عن التفاعل، بل إعلام يعرف أن الكلمة مسؤولية ،لسنا ضد السوشال ميديا ولا ضد حق الناس في التعبير، فهذه المنصات أصبحت جزءاً من الحياة الحديثة ولها دور حقيقي في إيصال الأصوات وكشف كثير من القضايا.

لكن المشكلة تبدأ حين يختفي الفرق بين الصحفي الحقيقي وبين أي شخص يحمل هاتفاً ويملك متابعين.

فليس كل من يملك جمهوراً يملك وعياً، وليس كل من يرفع هاتفه يستحق أن يُسمّى إعلامياً. لأن الحقيقة لا تحتاج فقط من ينشرها… بل من يفهم خطورة نشرها.

زر الذهاب إلى الأعلى