
فرضية ريمان.. نموذج سري من “أنثروبيك” يقترب من حل أحد أعقد ألغاز الرياضيات
افاق نيوز – بعد أكثر من 150 عاماً على طرحها، حقق نموذج ذكاء اصطناعي غير معلن من شركة أنثروبيك تقدماً لافتاً في دراسة فرضية ريمان، إحدى أشهر المسائل التي لا تزال بلا حل في تاريخ الرياضيات، والمتعلقة بكيفية توزيع الأعداد الأولية.
وتُعد فرضية ريمان من أبرز المسائل المفتوحة في الرياضيات، لدرجة أن مؤسسة Clay Mathematics Institute رصدت جائزة قدرها مليون دولار لمن يقدم برهاناً عاماً صحيحاً لها، ولا تزال الجائزة من دون فائز حتى الآن.
ورغم أن نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية لم تتمكن من تقديم حل نهائي للفرضية، فإن التطور الأخير يوضح قدرتها على إحراز تقدم رياضي يفوق التوقعات، وقد يعيد فتح نقاش قديم حول مدى قدرة الذكاء الاصطناعي الحديث على اكتشاف أفكار رياضية وعلمية جديدة، وليس مجرد إعادة صياغة ما هو معروف بالفعل.
وأعلنت “أنثروبيك” الاثنين، أن نموذجاً لم تكشف عنه بعد حقق تقدماً كبيراً في دراسة فرضية ريمان، من خلال رفع الحد الأدنى للحلول التي ثبت أن الفرضية صحيحة عندها بشكل كبير، بحسب تقرير نشره موقع “تك كرانش” واطلعت عليه “العربية Business”.
محاولة استمرت 36 ساعة
والأكثر إثارة أن هذا التقدم لم يأتِ نتيجة عمل فريق كبير من علماء الرياضيات، بل بدأ عندما طلب أحد موظفي “أنثروبيك”، الذي لا يمتلك تدريباً رياضياً متقدماً، من النموذج أن “يأخذ محاولة حقيقية لإثبات الفرضية”.
بعد ذلك، تُرك النموذج ليعمل بصورة مستقلة على تنسيق المهمة على مدار اليوم والنصف التالي.
وخلال هذه الفترة، اختبر النموذج 650 فكرة مختلفة لمحاولة حل المسألة، مستعيناً ب60 وكيلاً فرعياً، وأنفق ما مجموعه نحو 31 مليون رمز (Token) في مخرجاته.
وتوضح مذكرة مصاحبة للبحث توزيع الأدوار بين الوكلاء، إذ تولى اثنان منهم تطوير الأفكار الرياضية الرئيسية، بينما ساهم 13 وكيلاً بأفكار لهذين العاملين، وحاول 30 آخرون تطوير أفكار جديدة من دون نجاح.
في المقابل، تولى 13 وكيلاً مهمة التحقق من صحة الحجج الرياضية، بينما ساعد الوكيلان الأخيران في إعداد المسودة الأولى للبحث.
علماء رياضيات يتحققون من النتائج
ولم تعتمد “أنثروبيك” على النموذج وحده لتقييم النتائج، إذ أكد عالمان متخصصان في الرياضيات من داخل الشركة صحة ما توصل إليه النظام.
كما جرى تحويل النتائج إلى صيغة رسمية باستخدام Lean، وهو مساعد برهان مفتوح المصدر يُستخدم للتحقق آلياً من صحة البراهين الرياضية.
ويمثل هذا الإنجاز أحدث حلقة في سلسلة متزايدة من الاختراقات الرياضية التي تقودها نماذج اللغات الكبيرة (LLMs).
وخلال العام الجاري، تمكنت نماذج ذكاء اصطناعي من حل عدد من المسائل المرتبطة بمشكلات عالم الرياضيات الشهير بول إردوش، فيما أدى إطلاق نماذج أكثر قوة إلى نتائج أكثر إثارة.
وكانت “OpenAI” قد أعلنت مؤخراً عن 10 نتائج رياضية رئيسية أثبتها نموذجها الداخلي “Astra”، بينما تمكنت جهود منفصلة من “أنثروبيك” من دحض حدسية جاكوبيان التي ظلت لفترة طويلة موضع بحث رياضي.
هل يغير الذكاء الاصطناعي قواعد الرياضيات؟
لكن هذا التقدم المتسارع لا يثير الحماس وحده داخل مجتمع الرياضيات، بل يفتح أيضاً الباب أمام مخاوف بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على طبيعة البحث الرياضي وقواعده التقليدية.
وفي إعلان عام صدر في يونيو ووقعه عدد من أبرز علماء الرياضيات، أعرب الموقعون عن قلقهم من أن يؤدي الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي إلى تقويض بعض القيم الأساسية في المجال، وعلى رأسها المبدأ القائل إن البرهان الرياضي الصحيح يجب أن يكون منسوباً إلى مؤلفين محددين يتحملون مسؤولية اكتشافه وصحته.
لكن المجتمع الرياضي لا يزال منقسماً بشأن الطريقة التي ينبغي بها التعامل مع هذه الأدوات الجديدة.
وفي تدوينة رداً على ذلك الإعلان، تساءل عالم الرياضيات الحائز على ميدالية فيلدز، تيموثي غاورز، عما إذا كان تأثير الذكاء الاصطناعي قد يقود الرياضيات إلى مسار أكثر تعقيداً، وربما أكثر إيجابية.
وقال غاورز، في تعليقه على مستقبل المجال، إنه إذا وصل العالم إلى مرحلة لم تعد فيها النظريات الرياضية مرتبطة بأسماء علماء الرياضيات الذين اكتشفوها، فقد لا يكون ذلك أكثر إشكالاً من حقيقة أن النجوم لا تُسمى بأسماء علماء الفلك، وأن معظمها لا يحمل أسماء أشخاص أصلاً.
