عطلة ثلاثة أيام في الاردن: قرار اجتماعي ام مخاطرة اقتصادية ؟
هل يملك اقتصاد يعاني أصلًا، ترف الانقطاع عن الإيقاع الاقتصادي العالمي؟

في الوقت الذي تتسابق فيه دول العالم لرفع كفاءتها الإنتاجية وتسريع دورات العمل وتعزيز اندماجها في الاقتصاد العالمي، يبرز في الأردن مقترح اعتماد عطلة أسبوعية من ثلاثة أيام، تحت عناوين جذابة تتحدث عن الصحة النفسية، والترابط الأسري، وتشجيع السياحة الداخلية، وتوفير الطاقة.
ورغم أن هذه المبررات تبدو في ظاهرها إنسانية ومغرية، إلا أن إخضاعها لتحليل اقتصادي ومنهجي عميق يكشف عن فجوة واضحة بين الفكرة والواقع، وبين النوايا المعلنة والنتائج المحتملة.
الاقتصاد العالمي اليوم يعمل وفق إيقاع شبه موحّد لا يحتمل الارتجال؛ خمسة أيام عمل ويومان عطلة هي القاعدة التي بُنيت عليها الأسواق المالية، وسلاسل التوريد، والقطاع المصرفي، والشركات متعددة الجنسيات ، أي خروج عن هذا النسق لا يكون مجرد قرار إداري داخلي، بل يحمل كلفة زمنية واقتصادية مباشرة.
ان اعتماد عطلة تمتد من مساء الخميس وحتى صباح الاثنين يعني عمليًا أن الأردن ينفصل عن العالم ليوم إضافي كامل، تتعطل خلاله المراسلات، وتتأخر القرارات، وتتراكم المعاملات، وتُرسل إشارة سلبية للمستثمر الخارجي بأن دورة العمل لدينا أبطأ وأقل مرونة من المتوسط العالمي. والسؤال الجوهري هنا: هل يملك اقتصاد يعاني أصلًا من نمو محدود، وبطالة مرتفعة، وضغوط مالية مزمنة، ترف الانقطاع عن الإيقاع الاقتصادي العالمي؟
المشكلة لا تتوقف عند عدد أيام العطلة الأسبوعية، بل تتفاقم عند النظر إلى منظومة العطل كاملة، فإلى جانب العطلة الأسبوعية المقترحة، هناك العطل الدينية التي لا يعترف بها النظام الاقتصادي العالمي، والعطل الوطنية التي قد تقع في منتصف الأسبوع. تخيّل سيناريو واقعي يأتي فيه يوم الاستقلال يوم خميس او اثنين ، فسيتوقف العمل فعليًا من مساء الاربعاء حتى صباح الاثنين ، او من مشاء يوم الخميس حتى صباح الثلاثاء، النتيجة ليست راحة مجتمعية ، بل توقف فعلي يمتد خمسة إلى ستة أيام عن الدورة الاقتصادية ، أي اقتصاد يسعى للنمو والاستقرار يستطيع تحمّل هذا النوع من الانقطاع المتكرر؟
ويخطئ من يظن أن الأمر يقتصر على القطاع العام فقط، الاقتصاد لا يعمل بجزر منفصلة، والقطاع الخاص مرتبط بالحكومة في التراخيص والموافقات والتحويلات والجمارك والقضاء، المستثمر لا يميّز بين حكومة وسوق عندما يقيّم بيئة الأعمال، ما يهمه هو سرعة القرار، واستمرارية العمل، والقدرة على التفاعل مع العالم. تعطيل القطاع العام لثلاثة أيام أو أكثر يعني عمليًا تعطيل جزء كبير من النشاط الاقتصادي ورفع الكلفة الزمنية والمالية على الشركات، وهو ما يتناقض مع أي حديث عن تحسين بيئة الاستثمار.
أما الحديث عن رفع الإنتاجية وتحسين صحة العاملين، فهو طرح نظري لا يصمد وحده أمام الواقع، تجارب تقليص أيام العمل نجحت في دول ذات إنتاجية مرتفعة، وأنظمة إدارية مرنة، وثقافة مؤسسية منضبطة تحترم الوقت وتكافئ الأداء، في المقابل، دول تعاني من بيروقراطية ثقيلة وضعف التزام زمني، فإن ضغط ساعات العمل في أربعة أيام بدل خمسة لا يؤدي بالضرورة إلى إنتاجية أعلى، بل قد ينتج إرهاقًا يوميًا أكبر، وأخطاء أكثر، وقرارات متسرعة، وتراجعًا في جودة الأداء، الإنتاجية لا تُشترى بالعُطل، بل تُبنى بالإدارة الرشيدة والمساءلة والكفاءة.
أما الرهان على تنشيط السياحة الداخلية، فهو رهان يتجاهل حقيقة بسيطة: السياحة تحتاج دخلًا فائضًا قبل أن تحتاج وقتًا فائضًا. في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية، فإن العطلة الإضافية غالبًا ما تُستهلك في البقاء في المنزل، أو تقليل الإنفاق، أو البحث عن عمل إضافي، لا في تحريك عجلة السياحة والإنفاق. الوقت وحده لا يصنع نشاطًا اقتصاديًا إذا غاب الدخل.
في المحصلة، يبدو هذا المقترح، رغم حسن النوايا المعلنة، منفصلًا عن السياق الاقتصادي الأردني وعن طبيعة المرحلة التي نمر بها. الدول القوية اقتصاديًا تستطيع أن تُجرّب، وأن تخطئ، وأن تصحّح. أما الدول التي ما زالت تبحث عن النمو والاستقرار، فهي بحاجة إلى تسريع دورة العمل لا إبطائها، وتعزيز الاندماج مع العالم لا الانفصال عنه، وتحسين الإدارة والإنتاجية لا تقليص أيام العمل. فالدول التي تريد أن تعمل مع العالم، لا تستطيع أن تأخذ إجازات أكثر من العالم.



