نبض المجتمع

صدور كتاب بعنوان :” في حضرة شقيق الروح الدكتور موفق خزنة كاتبي … عطاء طبيب و وفاء مجتمع”

الأستاذة الدكتورة غيداء خزنة كاتبي

إن مسألة تشكل الرمزية في المجتمع ، ليست عفوية الحدوث، وإنما منضبطة بركائز تتسم بثنائية الأقطاب، تتبلور في عطاء الأفراد وإخلاصهم من جهة، وتقدير المجتمع لأعمالهم ومنجزاتهم من جهة أخرى ، ليكون الوفاء المجتمعي تتويجاً لمسيرة العطاء والبذل، تستحق منّا الرصد والتحليل، لتكون نموذجاً نضعه بين يدي الأجيال، وها أنا اليوم أقف فخراً عند قصة أردنية أصيلة نسجها مجتمعنا دون تكلف، ومما زاد اعتزازي وأنا أعيش تفاصيلها، أن محورها قطبين مركزيين بالنسبة لي وهما : الموفق شقيق الروح ، والمجتمع العمّاني حيث الإنتماء والهوية.
إن كتابي الذي أعلن عن إصداره اليوم بعنوان :” في حضرة شقيق الروح ، الدكتور الطبيب موفق عادل خزنة كاتبي … عطاء طبيب و وفاء مجتمع”، وهو عمل أحمدُ الله على انجازه إيفاءاً لوعد اطلقته على نفسي بعد مرور أربعين يوما على رحيل الموفق ، يوثق معادلة لمست طرفيها عظمة العطاء الموفقي وصدق الوفاء المجتمعي، فكان هذا الكتاب جواب منطقي لهذه المعادلة، فقد جاء الكتاب في 150 صفحة من القطع المتوسط، توزعت على أربعة فصول رئيسية، أعتمدت المؤلفة فيها على منهج علمي بحثي تاريخي، يجمع ما بين الرصد والتحليل والإستقصاء .
الفصل الأول بعنوان : ركائز الفكر عند الطبيب الدكتور موفق خزنة كاتبي ” عطاء للمجتمع وخدمة للانسانية”، ناقش الجانب العملي الميداني لالتزام الطبيب في الوفاء بالقسم الطبي وما يتصل به من اخلاقيات هذه المهنة الانسانية، متجسداً العطاء بالمساهمة في رفد القطاع الصحي الاردني بالعديد من مؤسسات الرعاية الصحية ، خاصة في وقت كان هذا القطاع في مرحلة التأسيس والنماء، وتحديداً في اربعينيات وخمسينيات القرن العشرين ، وعلى مدى خمسة عقود من عمل الطبيب موفق في المجال الطبي ، وبدأت هذه الرحلة الانسانية بالعمل طبيباً في خط سكة الحديد الحجازي ، وعيادة الطبيب موفق خزنة كاتبي الشهيرة في وسط البلد والتي قدم فيها الرعاية وبحسب احصائيات وسجلات الدكتور موفق لحوالي مليون حالة علاجية ، ثم تأسيس مستشفى الشميساني وجمعية الطبيب العام ، وبالتزامن مع هذا العطاء جاء النتاج العلمي للطبيب موفق والمتضمن أكثر من عشرة مؤلفات منها : محطة عمّان في اربعينيات القرن العشرين ، خمسون عام من مهنة الطب العام ، وثانوية عمّان ، وغيرها في مجال الصحة والثقافة والقصة القصيرة وعلوم القرآن والحديث والسيرة الذاتية .
وناقش الفصل الثاني من الكتاب وتحت عنوان المجتمع والطبيب الدكتور موفق ( انجازات تخلدها محبة الاجيال )، تركيبة ما يمكن تسميته بالمجتمع الموفقي ، بمعنى فلسفة النظرة للمجتمع العمّاني بشكل خاص والاردني بشكل عام من وجهة نظر الطبيب موفق، حيث اتضح مدى ادراكه لمكونات المجتمع، فكان اتصاله بالمجتمع له أبعاد روحية عميقة متصلة بالذاكرة حيث النشأة والتعليم ثم العمل والخدمة الانسانية ، وهو ما يكشف أن مدينة ( عمّان محورية بإعتبارها صورة نابضة تعكس المجتمع الاردني، نظراً لمركزيتها كنقطة تواصل وخدمة لكل أبناء الوطن من البوادي والقرى والمدن على كل شبر من الاردن، وفي هذا الفصل عمدت المؤلفة الدكتورة غيداء إلى بيان علاقتها المحورية ما بين المجتمع والموفق، وتحديداً فيما يتعلق بدورها في كشف خبايا ومضامين هذه العلاقة التبادلية ، بما في ذلك الاشارة الى ما شكلته الصور الفوتغرافية للموفق من ارشيف وطني للمجتمع العماني والدولة الاردنية، خاصة صورته الشهيرة في وسائل الاعلام وهو يقف أمام مبنى أمانة عمّان في الذكرى والاحتفالية الاولى لاستقلال المملكة الاردنية الهاشمية 1946م، خاصة اننا اليوم نحتفل بالذكرى الـ 80 للاستقلال .
وفي الفصل الثالث من الكتاب وتحت عنوان الطبيب موفق في الاعلام المجتمعي ، (ذاكرة وطنية دونتها اقلام الاجيال ) ، رصدت المؤلفة عدة مقالات ولقاءات اعلامية للطبيب موفق مع الاعلام الرسمي والاهلي الاردني ، حيث جسدت هذه اللقاءات تاريخ للثقافة الاردنية على مدار عدة عقود خاصة المئوية الاولى للدولة الاردنية ، وللمؤلفة عدة مقالات متخصصة بهذا الشأن كانت قد نشرتها على مدار سنوات تناولت فيها مؤلفات الموفق وسيرة العطاء والخدمة الصحية والثقافية التي قدمها للمجتمع وقد ضمنتها هذا الكتاب، بينما عالجت المقالات واللقاءات الاخرى التي دونها آخرين أمور تتعلق بالصحة والثقافة والرياضة والعادات والتقاليد الاردنية الاصيلة .
وختم الفصل الرابع من الكتاب وتحت عنوان : الطب الاردني ينكس رايته ” رحيل قامة طبية انسانية”، برصد حالة الحزن على فقدان هذه القامة الفكرية والثقافية وصدى ذلك فيما كتبه الكثير على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الصحف والمواقع الاخبارية الالكترونية المختلفة ، ولأن محبة الطبيب موفق من مجتمعه متبادلة فهي تأكيد على أنها بحق شرف استحقاق يناله كل مخلص لمهنته ومجتمعه وباجماع كل الفئات المجتمعية ، ومن مظاهر ذلك تسمية شارع رئيسي في منطقة الشميساني في العاصمة عمّان باسم ( شارع الطبيب الدكتور موفق خزنة كاتبي)، نظراً لعقود العمل الانساني الطويلة في عاصمتنا الغالية عمان وفي منطقة الشميساني تحديداً حيث يتواجد مستشفى الشميساني وعيادات ومجمعات طبية كانت من تأسيس الطبيب موفق خزنة كاتبي رحمه الله .
جاءت فصول هذا الكتاب الرباعية المضامين (ركائز الفكر الموفقي، المجتمع والموفق، الموفق والاعلام المجتمعي، والطب الأردني ينكس رايته)، لتكشف عن علاقة الموفق بالمجتمع وبياناً لجوانب هذه الظاهرة الإجتماعية الملهمة، فكانت غيداء – أنا – تتلمس طريقها وفي يدها قلم الباحث الموضوعي وفي القلب حزن ثقيل، وهو طريق لمن عرفه ومر به صعب ، ولكن الغاية النبيلة وهي اطلاع الأجيال على عطاء الأوائل والسباقين في بناء نهضة وطننا منذ البدايات جهد يستحق العناء، فمنذ أربعينيات القرن الماضي وحتى الربع الأول من مئوية الألفية التي نعيشها كان الموفق المفكر والطبيب والمؤلف ، يقف بكل اخلاص مع مجتمعه ، فما بين محطة عمّان وثانوية عمّان وعيادته في وسط البلد وحتى مروج عمّان وجبالها الشامخة ، كانت مسيرة الموفق حتى رحيله .
مع التأكيد على أن قصة الطبيب الموفق، يمكن وصفها بأنها مسيرة لأحد رجالات العطاء في هذا الوطن، ساهم خلالها إلى جانب المخلصين من أبناء وطننا وبشهادة المجتمع نفسه في البناء والنهضة، لذا فإن وفاء المؤلفة جزءاً من وفاء المجتمع لعطاء طبيب وانسان وطني مخلص، رحم الله الموفق وحفظ الله الوطن.

زر الذهاب إلى الأعلى