منبر الكلمة

سورة الروم … ومفهوم الحياد

رمضانيات (١٢)

نبيل الكوفحي

جاءت سورة الروم مكية وآياتها ستون آية، قال تعالى ( الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ، يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ). في غير سياق كثير من اسماء السور التي تضمنت اسماء الله الحسنى واسماء الانبياء وأسماء يوم القيامة وغيرها.

قد يظن البعض ان هذه التسمية جاءت هكذا دون ادنى دلالة، ولكنها بظني انها تشير إلى دلالة عميقة؛ وهي موقف المسلم من الاحداث الجارية حوله، فلئن جاء كثير من كلام المفسرين في اسباب النزول للآيات الاولى حين غلبت فارس على الروم. وكان ذلك في إبان الجدل حول العقيدة بين المسلمين في مكة قبل الهجرة والمشركين، حيث كان الروم أهل كتاب، وكان الفرس ديانتهم المجوسية ، فقد فرح المشركون في مكة لغلبة عقيدة الشرك على عقيدة التوحيد. بعدها نزلت الآيات الأولى من السورة تبشر بغلبة الروم غلبة يفرح لها المؤمنون، إلا أن لها غاية أخرى والله أعلم.

جاء في مقصد السورة ” المقصد الرئيس لهذه السورة الكشف عن الارتباطات الوثيقة بين أحوال الناس، وأحداث الحياة، وماضي البشرية وحاضرها ومستقبلها، وسنن الكون ونواميس الوجود، وبيان أن كل حركة، وكل حادث، وكل حالة، وكل نشأة، وكل عاقبة، وكل نصر، وكل هزيمة…كلها مرتبطة برباط وثيق، محكومة بقانون دقيق، وأن مرد الأمر فيها كله لله: {لله الأمر من قبل ومن بعد} (الروم:4)، وهذه هي الحقيقة الأولى التي يؤكدها القرآن كله”.

جاءت رسالة الإسلام رسالة عالمية (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا)، لذلك فيوجه القران الكريم المسلمين للاهتمام بكل الاحداث البشرية لانهم معنيون بتحقيق عالمية الرسالة، لذلك ندرك حدث الحرب بين القوتين آنذاك ونفهم تسمية السورة للإشارة لهذا المعنى العميق، فخطاب القران في كثير منه كان بلغة ( يايها الناس، يا بني آدم)، وهو خطاب عام يشمل كل البشرية،

الجانب الآخر يشير له صاحب الظلال رحمه الله بقوله ” وفي ظل ذلك التصور المرتفع الواسع الشامل تتكشف عالمية هذه الدعوة وارتباطها بأوضاع العالم كله من حولها – حتى وهي ناشئة في مكة محصورة بين شعابها وجبالها – ويتسع مجالها فلا تعود مرتبطة بهذه الأرض وحدها إنما هي مرتبطة كذلك بفطرة هذا الكون ونواميسه الكبرى ، وفطرة النفس البشرية وأطوارها ، وماضي هذه البشرية ومستقبلها . لا على هذه الأرض وحدها ، ولكن كذلك في العالم الآخر الوثيق الصلة بها والارتباط”.
لم يقف الاسلام توليد الاهتمام عند حد الشعور، بل جعل غاية الرسالة ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) مع ما يقتضي ذلك من عمل ودعوة وجهاد، وجعل احد ابواب الجهاد نصرة المظلومين بعيدا عن جنسهم ودينهم حيث قال تعالى (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا).

ان كثيرا من سلوكيات البشر ومواقف الدول تؤدي لفساد الارض مصداقا لقوله تعالى ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس )، وهذا ينعكس على واقع حال البشرية اليوم وتداخل علاقاتها ومصالحها يجعل الجميع يتأثر بما يجري في أنحاء الارض، من أعمال وتحالفات وقرارات، وهذا يستلزم عملا مبادرا مشتركا لتوجيه الاحداث والتأثير فيها ما امكن بما يخدم المصلحة البشرية جمعاء. وربما ادركت البشرية ذلك فشكلت هيئات ومنظمات، لكنها لم تقم على ميزان الحق والعدل، بل على ميزان القوة والفيتو، لذلك فسدت وظلمت واصبحت ادوات بأيدي الأقوياء فحسب.

لا نجد عذرا بالانزواء وعدم الاهتمام بما يجري في العالم، فالله سبحانه وتعالى يذكرنا في اكثر من موضع بعالمية الرسالة ( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا)، فان فاتنا التأثير فلا يفوتنا الاهتمام، قال تعالى ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم).
وتقبل الله طاعتكم وقيامكم بواجبكم تجاه البشرية كلها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى