
عدنان نصّار
لم تعد قضية الرواتب العليا في بعض المؤسسات العامة وشبه الرسمية ملفًا هامشيًا أو مجرد حديث مجالس، بل تحوّلت إلى واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا على الوعي العام، في ظل واقع اقتصادي ضاغط، وعجز مالي متراكم، وتراجع ملموس في مستوى الخدمات والثقة على حدّ سواء.
ففي وقت يُطلب فيه من المواطن تحمّل المزيد من الأعباء، وتُرفع فيه الضرائب والرسوم تحت عناوين الإصلاح والاستدامة، تظهر إلى السطح أرقام رواتب ومكافآت توصف – بحق – بأنها فلكية، يتقاضاها بعض الموظفين والمسؤولين، دون أن يوازيها إنجاز نوعي أو تحوّل ملموس في أداء المؤسسات التي يديرونها.
القضية هنا لا تتعلّق بالحسد الوظيفي، ولا برفض مبدأ الأجور المرتفعة من حيث الأصل. فالدول التي تحترم الإدارة الرشيدة تدفع بسخاء مقابل الكفاءة الحقيقية والنتائج القابلة للقياس. غير أن الإشكال يبدأ عندما تتحول الرواتب العليا إلى امتياز ثابت، لا يخضع للمساءلة، ولا يرتبط بمؤشرات أداء واضحة، ولا يتأثر بالفشل أو التراجع.
في مؤسسات تشكو من تضخم إداري، أو تراجع مالي، أو تعطّل مشاريع استراتيجية، يصبح من المشروع – بل من الواجب – طرح سؤال بسيط ومباشر: ما الذي تحقق فعليًا مقابل هذه الكلفة العالية؟ وأين الأثر الذي يبرر استمرار هذا الإنفاق؟
الأكثر إرباكًا للمشهد هو الغياب شبه الكامل للشفافية. فلا تتوفر للرأي العام بيانات واضحة حول أسس تحديد هذه الرواتب، ولا تُنشر تقارير أداء دورية تتيح تقييم الإنجاز، ولا يوجد ربط حقيقي بين ما يُصرف من مال عام وما يتحقق من نتائج. وفي المقابل، يُترك المجال مفتوحًا للتسريبات، والتأويل، وفقدان الثقة، وهي كلفة لا تقل خطورة عن الكلفة المالية نفسها.
إن استمرار هذا النهج لا يهدد المال العام فقط، بل يضرب فكرة العدالة الوظيفية في الصميم، ويعمّق الفجوة بين القيادات الإدارية وقواعدها الوظيفية، حيث يعمل آلاف الموظفين برواتب متواضعة، وفي ظروف صعبة، دون أن يروا انعكاسًا حقيقيًا لتضحياتهم في سياسات عادلة أو توزيع منصف للأعباء.
الأردن لا يحتاج اليوم إلى قرارات انفعالية أو حملات شعبوية، بل إلى مراجعة جادة وشجاعة لملف الرواتب العليا، تقوم على وضع سقف واضح، ومعايير معلنة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وربط الاستمرار في المنصب – وليس فقط الراتب – بحجم الإنجاز المتحقق.
فالمنصب العام ليس مكافأة، والراتب ليس حقًا مطلقًا، بل عقد أخلاقي بين المسؤول والدولة والمجتمع. وكل إخلال بهذا العقد، مهما بدا قانونيًا على الورق، يظل إخفاقًا في جوهره.
وفي زمن الضيق الاقتصادي، لا تُقاس قيمة المسؤول بحجم ما يتقاضاه، بل بقدرته على إدارة الموارد بحكمة، وتحقيق نتائج حقيقية، واستعادة ثقة الناس. أما الرواتب التي لا تنتج أثرًا، فهي ليست عبئًا ماليًا فحسب، بل عبء على فكرة الدولة نفسها.







ما هي مؤهلات ناديا الروابدة؟