منبر الكلمة

رسالة إلى الحياة… بعد ٦٥عام

موسى المنيزل
أيتها الحياة… يا سفرًا طويلًا لم نبلغ آخر فصوله،
ويا قصيدةً ما زال الشَّعرُ فيها غضًّا، والبحرُ فيها يتّسع.
تقول حكايتكِ إن أربع مدارس صنعت ملامحكِ في قلبي،
وأهدتني من دروبكِ ما يجعل العمر أذكريات لا تُنسى.
المدرسة الأولى كانت بيتًا بيتًا تتفتح فيه الوردا على السنسلة
ويصحو الريحان على أبواب الصباح،
وترتفع أجراس الكنائس في العلالي كأنها صلاةٌ لسماء قريبة
هناك، في حوش دار أبو خالد،
كبرتُ طفلًا من نورٍ وتراب،
أحمل في قدميّ أثر تراب الأرض، وفي صدري أول نبضات الانتماء. الى الفحيص
ثم دخلتُ المدرسة الثانية،
حيث المعلمة الأولى مرثا صويص – رحمها الله –
وحيث الوجوه التي أحبها القلب:
تريز زيادات، والراحلة دنيا حتر، والمرحومة فيروز السلمان،
وبثينة سميرات ومي العكروش أطال الله أعمارهن.
وحيث الأساتذة الذين مرّوا كنسائم حكمة:
يوسف العكروش، هاشم المضاعين، إبراهيم الشوباش… رحمهم الله.
وما زال صوت الأستاذ زاهي صويص حاضرًا،
يمدُّ الدرب بنورٍ لا يخبو.
هناك، وُلدت بداياتي،
وتشكّلت يداي على حبرٍ يصنع للإنسان طريقًا.
وكانت المدرسة الثالثة…
الحارةُ التي تشبه صدر أم،
والجيران الذين يروون الحكايات كأنهم يحفظون الذاكرة عن ظهر قلب.
حياةٌ تمشي على مهل،
وتترك في الدروب عبق ريحان
يُشبه محبة الناس حين تكون نقية.
لكن الحياة — وهي أمٌّ عارفة —
لا تمنح الدروس بلا امتحانات.
فحين خطف الموت وجوهًا أحببناها،
قالت لي بهدوء:
“أنت من ماءٍ وتراب… وكل ما يمضي يعود إليّ.”
ومع ذلك، لم تكن قاسية،
فهمست:
“لكنني وهبتك الجميل: زوجةً استثنائية، ثلاث أميرات،
وقلوبًا صادقة من زملاء وزميلات جيران اصدقاء جمعوا بين الأديان والثقافات…
أليس في هذا عزاءُ العمر؟”
ثم جاءت المدرسة الرابعة… الغربة.
حيث يتعلم القلب أن يكون وطنه،
وتصير الذكريات مظلةً فوق الرأس،
ويصبح الشوق صلاةً تُقال بصمتٍ كل مساء.
وتقول الحياة لي:
“أنا لا أنام… ولا أتعب…
فكن أنت برهان جمالى أينما ألقت خطاك ظلالها.”
وأنا…
ما زلت أطوف حولكِ ممتنًا،
أحمل فنجان قهوتي أو كاسة شاي بالنعنع،
وأقرأ ملامحكِ في الصباح والمساء،
وكأنني أتعلمكِ من جديد كل يوم.
سلامٌ على من ساروا معي في هذا الدرب…
ورحمةٌ على من سبقونا إلى السماء…
ولتكن البركات رفيقة دربكم دائمًا.
بمناسبة عيد ميلادي شكرًا لمروركم الجميل
فالحياة — بكم — تزداد جمالًا،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى