QFEX 2026
منبر الكلمة

رئيس التحرير الزميل عدنان نصار يكتب : معركة الوعي العربي.. حين تصبح الشاشة ساحة حرب

 

عدنان نصار

لم تعد الحرب تبدأ بصافرة إنذار، ولا تنتهي عند حدود الخنادق.
ثمة حرب أخرى تدور بصمت، تدخل البيوت من شاشات الهواتف، وتجلس إلى جانبنا في المقاهي، وترافق أبناءنا في غرفهم، وتنتقل من شاشة إلى أخرى أسرع من قدرة الإنسان على التفكير.
إنها حرب الوعي.
وفي هذه الحرب لا تحتاج إلى دبابة كي تحتل عقلًا، ولا إلى طائرة كي تدمر فكرة. يكفي أحيانًا حساب مجهول، وصورة مفبركة، ومقطع مبتور، وعنوان مستفز، حتى تبدأ كرة الثلج بالتدحرج.
ما يُتداول من روايات عن حملات إلكترونية تستهدف العرب والمسلمين، وعن حسابات تنتحل هويات عربية لإشعال الخلافات بين الشعوب والمذاهب، يجب ألا يُقرأ بعين السذاجة، كما لا يجوز أن يُقرأ بعين الهلع.
نحن أمام فضاء رقمي حقيقي تُستخدم فيه أدوات التأثير والتضليل والحسابات الوهمية في صراعات سياسية وإعلامية حول العالم.
لكن المشكلة تبدأ عندما نتحول نحن إلى أدوات مجانية في هذه الحرب.
حساب يهاجم المصريين، فيرد عليه مغربي.
ومنشور يشتم الخليج، فيشتعل خليجي في وجه عربي آخر.
وتغريدة تفتح جرحًا مذهبيًا، فيدخل آلاف الناس إلى المعركة دون أن يسأل أحد: من بدأ؟ ومن المستفيد؟
هنا تصبح القضية أكبر من منشور.
إنها قضية وعي.
لقد اعتدنا أن نبحث عن العدو خلف الحدود، بينما أصبح جزء من الصراع موجودًا داخل هواتفنا.
وهذا لا يعني أن كل خلاف بين العرب مصنوع في الخارج، ولا أن كل حساب مجهول تابع لجهاز استخباري. فتلك أيضًا طريقة أخرى من طرق الوهم.
لدينا خلافات حقيقية، وأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية حقيقية، وأخطاء ارتكبناها بأيدينا، ولا يجوز أن نهرب من مسؤوليتنا عنها بإلقائها كلها على الآخرين.
لكن في المقابل، فإن وجود مشكلات داخلية لا يعني أن العالم الرقمي خالٍ من محاولات التأثير والتلاعب.
الحكمة أن نعرف الفرق.
أن نعرف أين تنتهي الحقيقة وأين تبدأ الدعاية.
أن نسأل قبل أن نشارك: من أين جاءت هذه المعلومة؟
ومن صاحب الحساب؟
وأين الدليل؟
وهل توجد مصادر مستقلة تؤكدها؟
وهل الرقم المتداول حقيقي أم مجرد رقم صُمم لإثارة الصدمة؟
هذه الأسئلة البسيطة يمكن أن تكون خط الدفاع الأول عن وعينا.
فالذكاء الاصطناعي جعل صناعة المحتوى المضلل أكثر سهولة. صورة يمكن أن تكون كاذبة، وصوت يمكن تقليده، ومشهد يمكن تركيبه، وشخصية يمكن اختراعها، وحساب يمكن أن يبدو عربيًا في كل شيء، بينما صاحبه مجهول تمامًا.
ولذلك فإن معركة المستقبل لن تكون فقط بين من يملك السلاح ومن لا يملكه.
ستكون أيضًا بين من يملك المعلومة ومن يملك القدرة على التحقق منها.
وهنا تقع مسؤولية الإعلام.
الصحافة المهنية ليست إعادة نشر لما يقوله الناس، بل البحث عما إذا كان ما يقولونه صحيحًا.
وليس دور الصحفي أن يزيد الخوف، وإنما أن يضيء المناطق المعتمة.
ولا يجوز أن تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى محاكم شعبية، يُدان فيها الناس والدول والمجتمعات بمجرد منشور مجهول المصدر.
لقد دفعت منطقتنا ثمنًا باهظًا من الانقسامات.
وإذا كان هناك من يريد استغلال الخلافات العربية والمذهبية والقومية، فإن أفضل خدمة يمكن أن نقدمها له هي أن نكمل المهمة بأنفسنا.
نحن لا نحتاج إلى من يقسمنا إذا كنا مستعدين للانقسام.
ولا يحتاج أحد إلى صناعة الكراهية إذا كنا مستعدين لتداولها.
ولا يحتاج أحد إلى اختراع العداء بين الشعوب إذا كنا سنعيد نشره كل صباح ومساء.
لهذا فإن معركة الوعي تبدأ من المستخدم العادي قبل المؤسسة الرسمية، ومن الهاتف الشخصي قبل غرفة الأخبار.
أن تتوقف لحظة قبل الضغط على زر المشاركة.
أن تسأل قبل أن تصدق.
أن تختلف دون أن تكره.
أن تنتقد دون أن تشتم.
وأن تحافظ على هويتك دون أن تجعلها سببًا لإلغاء الآخرين.
نحن بحاجة إلى وعي عربي جديد؛ لا يعيش أسيرًا لنظرية المؤامرة، ولا يقع في سذاجة إنكار المؤامرات، ولا يرى العالم كله أبيض أو أسود.
نحتاج إلى عقل يستطيع أن يقول: لا أعرف. سأتحقق.
وهذه الجملة، في زمن الفوضى الرقمية، قد تكون أكثر شجاعة من ألف خطاب.
فليست كل حرب مرئية.
وليست كل معلومة حقيقة.
وليست كل حملة عفوية.
وليست كل خلافاتنا مؤامرة.
لكن المؤكد أن الأمة التي لا تحمي وعيها، ستترك الآخرين يكتبون قصتها نيابة عنها.
وهنا تكمن المعركة الحقيقية.
إنها ليست معركة من يرفع صوته أكثر… بل معركة من يستطيع أن يرى الحقيقة وسط الضجيج.
وإذا أردنا الخروج من دائرة الوهم، فعلينا أن نبدأ من السؤال الأول:
هل نحن الذين نستخدم وسائل التواصل… أم أن وسائل التواصل أصبحت تستخدمنا؟

زر الذهاب إلى الأعلى