
رئيس التحرير الزميل عدنان نصار يكتب : المتغيرات الاجتماعية… حين تُعيد الحياة تشكيل الجريمة
عدنان نصّار
لم تعد الجريمة في المجتمعات الحديثة مجرد فعل فردي معزول، أو سلوكًا ناتجًا عن انحراف شخصي محدود، بل أصبحت في كثير من الأحيان مرآةً تعكس التحولات الاجتماعية العميقة التي تصيب بنية المجتمع، وتكشف حجم الاختلالات التي تتسلل بصمت إلى تفاصيل الحياة اليومية. فكلما تبدّلت القيم، وتراجعت الروابط، واشتدت الضغوط الاقتصادية والنفسية، ارتفعت أسئلة الخوف، وبرزت الجريمة بوصفها أحد الأعراض المقلقة لمرضٍ اجتماعي أوسع.
في السنوات الأخيرة، شهدت مجتمعاتنا العربية تغيرات متسارعة لم تمنح الناس وقتًا كافيًا للتكيّف معها. فالأعباء الاقتصادية ازدادت، وتآكلت القدرة الشرائية، واتسعت الفجوة بين الطموح والإمكانات، بينما وجد كثيرون أنفسهم محاصرين بين حاجات يومية لا تنتهي وفرص تضيق عامًا بعد عام. وفي مثل هذه الظروف، يصبح بعض الأفراد أكثر هشاشة أمام الانزلاق نحو السلوك الإجرامي، ليس تبريرًا للفعل، بل تفسيرًا لبيئته الحاضنة.
لقد لعبت المتغيرات الاقتصادية دورًا محوريًا في إعادة تشكيل أنماط الجريمة. فارتفاع معدلات البطالة، واتساع رقعة الفقر، والشعور بالعجز الاجتماعي، عوامل قد تدفع بعض الفئات إلى البحث عن طرق غير مشروعة لتحقيق مكاسب سريعة أو تجاوز أزمات معيشية خانقة. وهنا لا تصبح القضية مجرد مخالفة قانونية، بل سؤالًا عن العدالة الاجتماعية، وفرص الحياة الكريمة، وحدود مسؤولية المجتمع تجاه أفراده.
ولعلّ ما يدفع إلى مزيد من التأمل في الحالة الأردنية تحديدًا، أن الفقر لم يكن يومًا ظاهرة جديدة على المجتمع. ففي الستينيات والسبعينيات وحتى أواخر الثمانينيات، عاش قطاع واسع من الأردنيين ظروفًا اقتصادية صعبة، وكانت البساطة عنوان الحياة اليومية، غير أن الجريمة لم تكن بهذا الشكل من الاتساع أو الحضور المقلق. كان هناك شيء آخر يحمي المجتمع من الانكسار؛ دفء اجتماعي حقيقي، وشبكة أمان إنسانية غير مكتوبة، تبدأ من الأسرة الممتدة ولا تنتهي عند الجار والحارة والمدرسة والمسجد. كان الفقير يجد من يسأل عنه، وكان الشعور بالتكافل والانتماء أقوى من الإحساس بالعوز، حتى بات الأمن الاجتماعي الأردني يُشار إليه بالبنان بوصفه أحد عناصر قوة المجتمع وتماسكه. أما اليوم، فالسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل المشكلة في الفقر وحده، أم في التغيرات التي أصابت منظومة العلاقات والقيم وأضعفت قدرة المجتمع على احتواء أزماته؟
لكن الاقتصاد وحده ليس المتهم الوحيد. فهناك تحولات اجتماعية أكثر عمقًا تتسلل بهدوء إلى نسيج الأسرة والمجتمع. الأسرة التي كانت ذات يوم الحاضنة الأولى للقيم، تواجه اليوم ضغوطًا هائلة؛ ساعات عمل طويلة، انشغالات متزايدة، ضعف في الحوار الأسري، ومساحات رقمية باتت في كثير من الأحيان تُربي الأبناء أكثر مما يفعل الآباء أنفسهم. وعندما يضعف الاحتواء الأسري، تتسع احتمالات الانحراف، ويصبح الشارع أو الفضاء الإلكتروني بديلًا خطيرًا عن التربية والتوجيه.
كما أن تراجع بعض المنظومات القيمية التقليدية، وتحول مفهوم النجاح نحو المظاهر السريعة والثراء المفاجئ، خلق لدى بعض الشباب حالة من الصراع النفسي والاجتماعي. فبين صورة مثالية تُعرض يوميًا عبر الشاشات، وواقع اقتصادي قاسٍ، تتولد مشاعر الإحباط، وأحيانًا الغضب أو التمرد، بما قد يدفع البعض إلى سلوكيات خطرة أو خارجة عن القانون.
ولا يمكن إغفال تأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت مساحة مفتوحة للتأثير النفسي والثقافي، بل وأحيانًا منصة لتطبيع العنف أو استعراض السلوك العدواني أو التفاخر بالمخالفات. فحين تتحول بعض الممارسات السلبية إلى مادة للانتشار والتقليد، يصبح الخطر مضاعفًا، خاصة لدى الفئات العمرية الأصغر سنًا، التي لا تزال شخصياتها في طور التشكّل.
وفي الأردن تحديدًا، يبدو المشهد أكثر حساسية وتعقيدًا، فالمجتمع الذي عُرف طويلًا بتماسكه الاجتماعي ودفء علاقاته الإنسانية، بدأ يطرح أسئلة أكثر عمقًا وقلقًا بعد التشوهات السلوكية التي أصابت بعض الفئات، ودفعت بالبعض نحو مسارات صادمة انتهت عند أبواب الجريمة. فحين يسمع الأردني عن حادثة عنف أسري، أو جريمة غير مألوفة، أو سلوكيات كانت يومًا غريبة عن البيئة المحلية، لا يكتفي بإدانة الفعل، بل يبدأ بالتساؤل: ماذا تغيّر في الناس؟ وأين اختلّ التوازن الذي كان يحمي المجتمع من هذا التصدع؟ إنها أسئلة لا تبحث فقط عن الجاني، بل عن الأسباب العميقة التي جعلت بعض النفوس أكثر قسوة، وبعض العلاقات أكثر هشاشة، وبعض القيم أقل حضورًا في زمن التحولات الثقيلة.
إن ارتفاع معدلات الجريمة لا يُواجه فقط بتشديد العقوبات، رغم أهمية القانون وهيبة الدولة، بل يبدأ من معالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمشكلة. فالمجتمع الذي يُحصّن أسرته، ويدعم شبابه، ويوفر التعليم النوعي، ويمنح الناس شعورًا بالأمل والعدالة، يضيق فيه هامش الجريمة تلقائيًا.
المعركة الحقيقية ليست فقط في ملاحقة الجريمة بعد وقوعها، بل في منع الأسباب التي تُمهّد لها. فحين يشعر الإنسان بالكرامة، والانتماء، والفرصة، يصبح أكثر قدرة على مقاومة الانكسار، وأكثر تمسكًا بالقانون والمجتمع.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم: هل نحن أمام ارتفاع في الجريمة فقط، أم أمام رسالة اجتماعية قاسية تقول إن شيئًا ما في علاقتنا بالمجتمع يحتاج إلى مراجعة عميقة؟
فالمجتمعات لا تُقاس فقط بما تبنيه من إسمنت وأبراج، بل بقدرتها على حماية الإنسان من السقوط… قبل أن يتحول الألم إلى جريمة.
