حين يُحاكم العمل العام بديون الخصوصية

آفاق نيوز – في بلدنا، يختار بعض الرجال أن يكرّسوا حياتهم للعمل العام: إصلاح ذات البين، خدمة الأيتام، الدفاع عن حقوق الإنسان، ورأب صدع الخلافات بين الناس. هؤلاء لا يعملون لحساباتهم الخاصة، بل يجعلون من وقتهم وسمعتهم ورصيدهم الاجتماعي جسرًا لحل مشكلات الآخرين. لكن ماذا يحدث حين ينقلب هذا الجسر عليهم؟ حين يُكافَؤون على مسيرتهم الطويلة لا بالعرفان، بل بالابتزاز والاتهام والتشهير؟
القصة ليست فردية، بل هي نموذج لخلل اجتماعي وقانوني خطير. رجل إصلاح معروف أفنى عمره في خدمة الناس، فإذا به يقف أمام المحاكم متهمًا بجرائم لا دليل عليها، محرومًا حتى من أبسط حقوقه في الخصوصية، يُحاكم أمام العامة وكأن مسيرته لم تكن يومًا. لم يشفع له أنه أصلح مئات القضايا، ولا أنه ساعد الأرامل والأيتام، ولا أنه فتح أبواب التعيين والعمل لعشرات العائلات. في لحظة خلاف أسري، تحوّل من “رمز ثقة” إلى “متهم عادي” أمام شرطة ومحكمة لم تراع مكانته ولا أثر التشهير عليه.
الأدهى أن المجتمع المحيط، الذي طالما استفاد من عطائه، كان سريع النسيان. لم يتوقف كثيرون ليسألوا: كيف يُعقل أن يواجه رجل إصلاح بهذا الحجم هذه التهم؟ أين التوازن بين حقوق الخصوصية والعدالة؟ وأين التقدير لتاريخ طويل من العطاء؟
إن ما جرى لا يخص فردًا واحدًا فقط، بل يخص كل من يختار طريق العمل العام. حين يغيب الإنصاف، وحين يُترك من حمل قضايا الناس وحل نزاعاتهم وحمى حقوقهم بلا حماية، يصبح العمل العام مخاطرة شخصية، يدفع ثمنها صاحبها من سمعته وصحته وبيته.
القضية اليوم ليست عن “خلاف عائلي”؛ بل عن احترام العمل العام وحماية من يكرّسون حياتهم له. فالمجتمع الذي لا يصون رموزه، ولا يحمي كرامة من عملوا من أجله، يُرسل رسالة سلبية: لا جدوى من العطاء، ولا حصانة لمن يضحّي من أجل الآخرين. وهذا هو الخطر الأكبر.



