QFEX 2026
منبر الكلمة

حين يصبح الانتباه قضية سياسية.. ماذا قال الأردن للعالم؟

 

كتب رئيس التحرير عدنان نصّار

ثمة كلمات تُقال في المحافل الدولية وتمضي، وثمة كلمات تبحث عن مكان لها في ضمير العالم.
في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، اختار جلالة الملك عبدالله الثاني أن يضع إصبعه على قضية تبدو في ظاهرها جديدة، لكنها في جوهرها أصبحت واحدة من أخطر قضايا عصرنا: الانتباه.
فالملك لم يتحدث فقط عن الحروب والأزمات والاحتلال والمعاناة الإنسانية، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إلى السؤال عن الطريقة التي ينظر بها العالم إلى هذه الأزمات، وعن قدرة المجتمع الدولي على إبقاء المآسي حاضرة في الوعي، بدل أن تتحول مع مرور الوقت إلى أخبار عابرة، ثم إلى مشاهد مألوفة، ثم إلى واقع لا يثير الدهشة.
وهنا تكمن أهمية الفكرة.
لقد أصبح العالم يعيش تحت سيل هائل من الأخبار والصور والمعلومات. أزمة تفتح نشرات الأخبار صباحًا، وأخرى تزاحمها مساءً، وحرب تستولي على العناوين، وأخرى تتراجع إلى الصفحات الداخلية، حتى باتت المأساة نفسها تخضع أحيانًا لقانون المنافسة على اهتمام الجمهور.
لكن ما يحدث في غزة، كما قال جلالة الملك، لا ينبغي أن يصبح أقل أهمية لمجرد أن عدسة الكاميرا ابتعدت.
فالضحايا لا يتوقفون عن كونهم ضحايا عندما يتوقف العالم عن النظر إليهم.
وهذه واحدة من أكثر النقاط إيلامًا في المشهد الدولي اليوم.
أن تتحول المعاناة إلى شيء معتاد.
أن يصبح الموت خبرًا يوميًا لا يستوقف أحدًا.
أن تصبح صور الأطفال تحت الركام جزءًا من الذاكرة البصرية العابرة، وأن يصبح النزوح والجوع والدمار أرقامًا في تقارير المؤسسات الدولية، فيما يستمر الإنسان في دفع الثمن الحقيقي.
من هنا، فإن حديث الملك عن «الانتباه» لم يكن حديثًا إعلاميًا فقط، بل كان حديثًا سياسيًا وأخلاقيًا في آن واحد.
فالانتباه في السياسة الدولية ليس مجرد متابعة للأحداث؛ إنه أحيانًا مقدمة للفعل.
وما يحصل على اهتمام العالم يحصل غالبًا على مساحة أكبر في النقاش الدولي، وعلى وقت أطول في غرف الدبلوماسية، وعلى فرصة أكبر لأن يتحول إلى أولوية سياسية.
أما القضايا التي تفقد انتباه العالم، فإنها تبدأ بالتراجع تدريجيًا إلى الهامش.
وهذا ما يجعل عبارة جلالة الملك بأن الانتباه أصبح موردًا جيوسياسيًا جديرة بالتوقف عندها طويلًا.
فالمسألة لم تعد: ماذا يحدث؟
بل أصبحت أيضًا: من يملك القدرة على إبقاء ما يحدث حاضرًا أمام العالم؟
وفي الحالة الفلسطينية، يبدو السؤال أكثر قسوة.
على مدى عقود، ظل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي حاضرًا على جدول أعمال الأمم المتحدة، وعقدت المؤتمرات، وصدرت القرارات، وتوالت المبادرات، وتغيرت الحكومات، وتبدلت خرائط المنطقة، لكن أصل المشكلة بقي قائمًا.
والأخطر أن «المؤقت» الذي يفترض أن ينتهي بعد فترة، يمكن أن يتحول، بفعل الزمن والصمت والتأجيل، إلى واقع دائم.
وهنا جاءت واحدة من أكثر العبارات دلالة في كلمة الملك: «أصبح المؤقت دائمًا، وأصبح الدائم نهجًا.»
هذه ليست مجرد صياغة سياسية.
إنها توصيف لمشكلة عالمية أوسع: حين يتكرر الاستثناء طويلًا، يفقد صفته كاستثناء.
وحين تتكرر الانتهاكات دون مساءلة، يصبح الاعتراض عليها أقل حضورًا، ويبدأ العالم بالتعامل معها باعتبارها جزءًا من المشهد.
وهنا يعود السؤال الذي طرحه جلالة الملك بقوة: إذا كان من الممكن تجاهل القانون الدولي لعقود، فماذا تبقى من قيمته؟ وكيف يمكن تطبيقه إذا لم نعترف بانتهاكاته؟
إنها ليست قضية فلسطين وحدها.
إنها قضية النظام الدولي نفسه.
فالقانون الدولي لا يمكن أن يكون قويًا في مكان وضعيفًا في مكان آخر، ولا يمكن أن تكون حقوق الإنسان قيمة عالمية عندما تناسب المصالح، ثم تصبح قابلة للتأجيل عندما تتعارض مع حسابات السياسة.
العالم الذي يريد أن يحافظ على معنى القانون، عليه أن يحافظ أيضًا على مبدأ المساءلة.
والمساءلة، كما قال الملك، تبدأ من تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية.
ولعل الأردن، بحكم موقعه الجغرافي والسياسي والتاريخي، يعرف أكثر من غيره أن القضية الفلسطينية ليست ملفًا سياسيًا عابرًا.
إنها قضية تمس أمن المنطقة واستقرارها ومستقبلها، وتمس قبل ذلك حق شعب في أن يعيش على أرضه بحرية وكرامة.
ولهذا لم تكن كلمة الأردن في الأمم المتحدة مجرد تسجيل موقف جديد، بقدر ما كانت تذكيرًا للعالم بأن كثرة الحديث عن الأزمة لا تعني حلها، وأن استمرار المؤتمرات لا يعني بالضرورة استمرار الاهتمام، وأن الكلمات مهما كانت قوية تفقد قيمتها إذا لم تتحول إلى أفعال.
لقد قال الملك للعالم، بصورة واضحة، إن المشكلة ليست في نقص المعرفة.
العالم يعرف.
والصور تصل.
والتقارير موجودة.
والوقائع تُوثق.
لكن السؤال الحقيقي هو: هل سيبقى العالم منتبهًا؟
ذلك هو الاختبار.
لأن غزة لا تحتاج إلى تعاطف موسمي، ولا فلسطين تحتاج إلى أن تبقى مجرد بند في جدول أعمال دولي مزدحم.
ما تحتاجه هو إرادة سياسية ترى الإنسان قبل الحسابات، والقانون قبل المصالح، والسلام الحقيقي قبل إدارة الصراع.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي قضية عادلة ليس أن تُرفض، بل أن يعتاد العالم عليها.
أن يصبح الظلم قديمًا إلى درجة أن يفقد قدرته على إحداث الصدمة.
وأن يصبح الألم مألوفًا.
وأن تصبح المأساة مجرد رقم جديد يضاف إلى أرقام الأمس.
من هنا جاءت كلمة الأردن في الأمم المتحدة لتقول إن العالم لا يجوز أن يسمح للزمن بأن يعيد تعريف الحقيقة.
فالاحتلال لا يصبح أقل احتلالًا لأنه طال.
والانتهاك لا يصبح أقل انتهاكًا لأنه تكرر.
والمعاناة لا تصبح أقل وجعًا لأن الكاميرات غادرت.
وإذا كان الانتباه، كما قال جلالة الملك، قد أصبح موردًا نادرًا، فإن العدالة تحتاج إلى أن يبقى هذا الانتباه حيًا، لا أن يُستهلك في دورة الأخبار اليومية ثم يختفي.
في النهاية، ربما لا يحتاج العالم إلى مزيد من الكلمات بقدر ما يحتاج إلى أن يصغي إلى الكلمات التي قيلت بالفعل.
فالكلمات وحدها لا توقف حربًا، ولا تعيد طفلًا إلى بيته، ولا تمحو ركام مدينة.
لكنها تستطيع أن تفعل شيئًا مهمًا جدًا:
أن ترفض تحويل المأساة إلى أمر عادي.
وهذا، في زمن كثرت فيه الأزمات وتزاحمت فيه الصور والأخبار، ربما يكون أول أشكال العدالة.
أن نبقى منتبهين.
وأن لا نسمح للعالم بأن يعتاد الألم.

زر الذهاب إلى الأعلى