منبر الكلمة

حين لا يكون غياب المنصب دليل غياب الكفاءة

الدكتورة المحامية ثروت الحلواني

في النقاش العام حول المشاركة السياسية وتولي المناصب، غالبًا ما يُختصر المشهد في نتيجة واحدة: من وصل هو الأكفأ، ومن لم يصل لم يكن كذلك. غير أن الواقع، خاصة في البيئات السياسية المحلية، أكثر تعقيدًا من هذه المعادلة المبسّطة.

فليس كل من خاض التجربة السياسية ولم يحالفه الحظ يفتقر إلى الكفاءة، كما أن عدم الوصول إلى موقع رسمي لا يعني بالضرورة غياب الأهلية أو الجدارة. كثيرون، رجالًا ونساءً، راكموا خبرة علمية ومهنية وقانونية عالية، وخاضوا الانتخابات أكثر من مرة، وامتلكوا مشروعًا ورؤية، لكنهم وجدوا أنفسهم خارج دائرة الفرص، لا بسبب ضعف، بل لأسباب لا تُقال علنًا.

في بعض الحالات، لا يكون التحدي في صناديق الاقتراع وحدها، بل فيما يليها. في كيفية توزيع الفرص، وفي آليات الاختيار للمناصب، وفي النظرة المسبقة لمن يُراد له أن يبقى خارج المشهد، حتى وإن امتلك المؤهلات التي تؤهله له. هنا يصبح السؤال مشروعًا: هل الكفاءة وحدها هي المعيار فعلًا؟

المؤلم في هذا السياق أن يُختزل الحديث عن تولي النساء للمناصب في منطق المقارنة بين النساء أنفسهن، وكأن المشكلة في وجود امرأة بدل أخرى. بينما الحقيقة أن القضية أعمق من ذلك؛ فهي تتعلق بعدالة الفرص، وشفافية الاختيار، واحترام الاستحقاق، بغضّ النظر عن الأسماء.

حين تمتلك امرأة تأهيلًا علميًا وقانونيًا، وتجربة سياسية متراكمة، وخبرة ميدانية حقيقية، يصبح من حقها المشروع أن تتساءل عن أسباب تغييبها، لا اعتراضًا على غيرها، بل دفاعًا عن مبدأ أساسي: أن يكون المنصب تكليفًا على أساس الكفاءة، لا نتيجة اصطفافات أو تهميش غير معلن.

إن أخطر ما يواجه الحياة السياسية ليس فشل الأفراد، بل تطبيع الإقصاء الصامت. ذلك الإقصاء الذي لا يُكتب، ولا يُعلن، لكنه يُمارس بطرق مختلفة، ويترك أثره على الثقة العامة، وعلى إيمان الناس بجدوى المشاركة.

الحديث عن الحق في تولي المنصب ليس طموحًا شخصيًا بقدر ما هو دفاع عن فكرة أوسع: أن العدالة السياسية لا تكتمل دون تكافؤ الفرص، وأن الكفاءة يجب أن تُرى كما هي، لا كما يُراد لها أن تُحجب.
ففي نهاية المطاف، لا يُقاس الحضور الحقيقي بعدد المناصب، بل بوضوح الموقف، وبالقدرة على قول ما يجب قوله، حتى حين لا يُراد له أن يُقال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى