منبر الكلمة

جوع النفس وجوع الجسد

عمان-الأردن
٢٠٢٦/٢/٢٧
القس سامر عازر

من أهم دروس الصوم أن نعي حقيقة الجوع في حياتنا البشرية. فالصوم يُشعرنا بجوع الجسد، بحاجتنا اليومية إلى الطعام والشراب، ويذكّرنا بأن في هذا العالم من ينتظر كسرة خبز تسند جسده، أو شربة ماء نقية تحفظ حياته أو حبة دواء تخفف آلامه . لذلك فالصوم ليس مجرد امتناع، بل هو تذكير عملي بأن حق الحياة الكريمة ليس ترفًا، وأن لا يجوع إنسان فيما يفيض عند غيره الطعام.

غير أن السؤال الأعمق يبقى: إذا كان جوع الجسد يُشبَع بلقمة خبز، فماذا عن جوع النفس؟
يضع أمامنا إنجيل متى في الإصحاح الرابع (1–11) مشهد تجربة السيد المسيح في البرية بعد معموديته من يوحنا المعمدان. بعد أربعين يومًا من الصوم جاع المسيح أخيرا، فاقترب المُجرِّب من حاجته الطبيعية وقال له: «قل أن تصير هذه الحجارة خبزًا». المدخل كان الجوع الجسدي، لكن الهدف كان أعمق من رغيف خبز. كان الصراع في جوهره صراع ترتيب الأولويات: أيهما أولًا، حاجة الجسد أم أمانة الروح؟

أجاب المسيح: «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله». بهذه الكلمة وضع المسيح الميزان الصحيح. الجسد يحتاج إلى خبز ليعيش، أما النفس فتحتاج إلى كلمة الله لتبقى حيّة بالمعنى الحقيقي. الخبز يحفظ الجسد زمنًا، أما كلمة الله فتحفظ الإنسان للحياة الأبدية.

جوع الجسد يمكن أن يُسدّ بقليل من الطعام، ويمكن كسوته بثوب بسيط، لكن جوع النفس لا يُشبَع بالمال ولا بالمناصب ولا بمجد العالم الزائل. كم من إنسان يملك الكثير لكنه يشعر بفراغ داخلي لا يملؤه شيء. وكم من إنسان محدود الموارد لكنه مطمئن لأنه شبعان من رجائه بالله. المشكلة ليست في امتلاك الأشياء، بل في أن تتحول الأشياء إلى مصدر المعنى الحقيقي في حياتنا.

عدو الخير يعرف هشاشتنا، فيدخل من باب الحاجة المشروعة ليحوّلها إلى شهوة مدمّرة. يهمس بأن المادة هي كل شيء، وأن الوصول أهم من الطريق، وأن الغاية تبرر الوسيلة. وهكذا يُغري بالغش والخداع وتجاوز الضمير. لكن الحقيقة أن الإنسان قد يقتات بالقليل من الطعام، أما إذا خسر ضميره وخسر علاقته بالله، فقد خسر نفسه.

كما شكّك الشيطان آدم وحواء في جنة عدن بكلام الله، يشككنا اليوم أيضًا بوصاياه وحدوده التي وضعها لخيرنا. يحاول أن يقنعنا أن الانحراف عن التعاليم هو حرية، وأن كسر الحدود هو تطور، بينما هو في الحقيقة سقوط في عبودية جديدة. النفس التي تبتعد عن نور الوصية تسير في ظلمة الخطيئة، حتى وإن بدت ناجحة في عيون الناس.

وليس أسهل من أن نُفتن ببريق العالم: مجد، شهرة، مال، سلطة، كلها أمور تجذب النفس إن لم تمتلئ من الداخل بكنوز الحكمة الإلهية. لكن كل هذا زائل. لم يخرج إنسان من هذا العالم حاملًا معه شيئًا من مقتنياته. نخرج كما دخلنا، ولا يبقى لنا إلا ما اختزنته نفوسنا من إيمان ومحبة وبر.

الصوم إذًا ليس حرمانًا شكليًا، بل وقفة صادقة مع النفس. هو فرصة لنسأل: ما الذي يحركني؟ هل أنا أسير لمطالب الجسد ومغريات المادة؟ أم أنني أبحث عن غنى أعمق لا يزول؟ لا توجد نفس بشرية محصنة بالكامل، ومن لا يشبع من كلمة الله سيبحث عن إله بديل، وقد يسجد لما هو دون الله دون أن يشعر.

إما أن نكون عبيدًا للجسد والمادة، أو أن نكون أغنياء لله. جوع الجسد يذكّرنا بضعفنا، أما جوع النفس فيقودنا إلى مصدر قوتنا. والصوم يدعونا أن نهتم بالجوعين معًا: أن نُشبع الجائع، وأن نملأ نفوسنا بكلمة الحياة. فالجسد إن جاع تألم أيامًا، أما النفس إن جاعت ضاعت الطريق. والإنسان لا يحيا بالخبز وحده، بل بنعمة الله التي تشبع القلب وتمنحه حياة لا تزول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى