محليات

ثلاثة أيام في الطوارئ… كيف ماتت الطفلة ملك داخل مستشفى الأميرة بسمة؟

ثلاثة أيام من الانتظار بلا سرير، يكشف الإهمال والعجز ، وعائلة ملك تواجه الحقيقة المرة داخل منظومة صحية متعبة

 

كتب رئيس التحرير

لم تكن مأساة الطفلة ملك أشرف ملكاوي، البالغة من العمر أربعة عشر عامًا، حادثة طبية عابرة، بل شاهدًا جديدًا على الخلل العميق الذي يطال المنظومة الصحية في الأردن. دخلت الطفلة مستشفى الأميرة بسمة في إربد مساء الخميس 11/11 وهي تعاني من مغص وصفه الأطباء بأنه طبيعي وسيخف سريعًا، لكنّ الساعات التي تلت دخولها كانت كافية لتحويل ألم بسيط –وفق التشخيص الأولي– إلى كارثة انتهت بوفاتها ليل الأحد.

ثلاثة أيام كاملة قضتها ملك في قسم الطوارئ دون العثور على سرير في الأقسام الداخلية، ودون متابعة حقيقية لحالتها المتغيرة. بقيت هناك، على سرير مؤقت، تنزلق من ألم إلى آخر، بينما الوقت يمضي والكوادر الطبية تتعامل مع حالتها بقدر من الاعتياد غير المبرر، وكأنّ طفلة في الرابعة عشرة قادرة على الانتظار بينما تتدهور صحتها أمام أعين الجميع.

مساء الأحد، بدأت الحالة بالتدهور السريع. تحرك المستشفى لإجراء فحوصات وتصوير عاجل، لكن التحرك جاء بعد فوات الأوان. ساءت المؤشرات الحيوية، وفقدت ملك قدرتها على المقاومة، ثم توفف قلبها ، ففارقت الحياة. كل ذلك كان يمكن تفاديه لو لم تُترك ثلاثة أيام في الطوارئ، ولو توفر لها سرير ورعاية فعلية في الوقت المناسب.

الملف الطبي الذي حصل عليه والد الطفلة من المدّعي العام أوضح أن ابنته لم تكن تعاني من أي أمراض مزمنة، وأن حالتها الصحية العامة عند دخول المستشفى كانت مستقرة. غير أن التقرير ذاته كشف وجود مصل حول القلب بحدود 15 مم، وهو ما اعتبره الوالد دليلًا على إهمال طبي واضح، وإشارة خطيرة كان يفترض التعامل معها منذ لحظة وصول ابنته إلى المستشفى.

لكن القصة لم تتوقف هنا. فبحسب معلومات حصلت عليها “آفاق نيوز”، أبدى الطب الشرعي استياءً بالغًا من حصول والد الطفلة على التقرير الأولي الذي يتضمن هذه المعلومة الحساسة. ويبدو أن التقرير –الذي وصلت نسخة منه للمؤسسة– قد سُلِّم لوالد الطفلة عن طريق الخطأ من مكتب الطب الشرعي، رغم أنه تقرير سري لم يُفترض أن يخرج قبل اكتمال الإجراءات القانونية. التسليم غير المقصود للتقرير أثار حفيظة الطب الشرعي، حتى إن أحد المسؤولين هناك وصف الأب بأنه “فقد عقله” عندما واجههم بما ورد في الوثيقة، وكأنّ الاطلاع على الحقيقة يُعد تجاوزًا غير مقبول.

هذا التوتر بين الأسرة والطب الشرعي يكشف ارتباكًا في إدارة المعلومات الطبية الرسمية، ويثير أسئلة جوهرية حول الشفافية والحق في معرفة تفاصيل وفاة مريض، خصوصًا حين تكون الوفاة موضع شبهة إهمال. فمن المفترض أن تكون التقارير أدوات للوصول إلى الحقيقة، لا وثائق تُحجب أو يُخشى تسريبها.

إنّ قصة ملك ليست حادثة منفصلة، بل مرآة لوضع يعاني منه كثير من المرضى في المستشفيات الحكومية: نقص أسرّة، اكتظاظ، إرهاق كوادر، وغياب نظام يضمن أن لا يتحول الانتظار في الطوارئ إلى حكم بالإعدام البطيء. ما حدث هو نتيجة تراكمات: نقص في الموارد، ضعف في إدارة الحالات الحرجة، غياب المحاسبة، وتراخٍ يفتح الباب أمام كوارث صحية لا مبرر لها.

رحلت ملك، لكن رحيلها يترك علامات استفهام لا يمكن تجاهلها. من يتحمّل المسؤولية؟ وكيف يمكن لمنظومة صحية أن تسمح بوفاة طفلة دخلت وهي تعاني من مغص، لتخرج منها جثة محمولة؟ إنها أسئلة تتجاوز الألم الشخصي إلى سؤال أكبر: هل ما زال النظام الصحي قادرًا على حماية حياة أبنائه؟

رحيل الطفلة هو صرخة يجب أن تُسمع. ليس طلبًا للثأر، بل للمحاسبة. ليس ردًا على خطأ، بل محاولة لعدم تكراره. فحياة طفل ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه، بل معيار لعدالة النظام وأخلاقيته وصدقيته أمام الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى