منبر الكلمة
توجان فيصل: مسيرة الإعلامية المتمردة من شاشة التلفزيون إلى ساحة البرلمان

عماد الشبار
توجان فيصل، الإعلامية التي تحوّلت إلى سياسية، شكّلت علامة فارقة في تاريخ الإعلام الأردني. قليلةٌ هي الشخصيات التي استطاعت أن تخترق جدران التقاليد الاجتماعية والقيود المؤسساتية لتصنع حضورًا حقيقيًا في فضاء ظل طويلًا حكرًا على الرجال أو على تمثيل نسائي محدود. توجان فيصل كانت استثناءً. بصوتها النقدي الجريء، وفكرها الثقافي والسياسي المتقد، تجاوزت الأدوار التقليدية لتصبح رمزًا للمرأة القوية، والمثابرة، والمتمردة. إنها قصة امرأة كسرت الحواجز، وسجّلت اسمها في المشهد الأردني كأيقونة في التعبير الحر والعمل العام.
وُلدت توجان فيصل عام 1948 في الأردن، وتنتمي إلى أصول شركسية، وهي من الأقليات العرقية التي أثرت بشكل إيجابي في النسيج الوطني الأردني. منذ نعومة أظافرها، أبدت شغفاً بالفكر واللغة والقضايا العامة، وكان لديها ميل للقراءة والبحث العلمي. أنهت توجان دراستها الثانوية عام 1967 في مدرسة زين الشرف بالعاصمة عمان، حيث كانت من المتفوقات.
بعد ذلك، التحقت بالجامعة الأردنية، حيث حصلت على شهادة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية عام 1971، مما منحها قاعدة معرفية صلبة في اللغات والثقافة، أهلّتها لدخول مجال الإعلام من منظور فكري عميق.
في العام نفسه، تقدمت توجان فيصل لوظيفة في التلفزيون الأردني، وكان التنافس كبيراً مع مئات المتقدمات. لكن تميزها كان واضحاً، خصوصاً بشروطها التي وضعتها من البداية؛ فهي لم ترغب بأن تكون مجرد قارئة لنشرات الأخبار أو مقدمة برامج سطحية، بل طالبت بأن تقدم برامج ثقافية ترتكز على الفكر والوعي.
تم اختيارها، وظهر أول برنامج لها بعنوان “المكتبة”، وهو برنامج ثقافي أسبوعي مميز، تناولت فيه الكتب الفكرية والفلسفية العالمية. في الحلقة الأولى، قدمت قراءة تحليلية لكتاب “تدهور الحضارة الغربية” للفيلسوف الألماني أوسوالد شبنغلر. استمرت الحلقة حوالي 45 دقيقة، أظهرت خلالها براعة في التحليل والتقديم، كما استعرضت الأفكار بطريقة مبسطة لكنها جريئة، وهو أمر غير معتاد في تلفزيون حكومي عربي في السبعينيات.
من خلال هذا البرنامج، وضعت توجان نفسها كصوت فكري نقدي، ومقدمة إعلامية تختلف عن النمط السائد الذي يعتمد على التقديم السطحي والرسمي. كما قدمت برامج ثقافية أخرى، وأصبحت معروفة بحرصها على رفع مستوى النقاش العام من خلال الإعلام.
تدرجت توجان فيصل في العمل داخل التلفزيون الأردني، حيث تولت مناصب إدارية، وأصبحت أول مديرة للإعلام التنموي، وهو منصب يتطلب تطوير محتوى إعلامي يركز على قضايا التنمية الاجتماعية، وحقوق المرأة، والطفولة، والتنمية الريفية. في هذه المرحلة، ساهمت توجان في إعادة هيكلة الخطاب الإعلامي الرسمي ليشمل قضايا المجتمع المدني ويزيد من عمق المحتوى.
كما عملت مستشارة إعلامية لوزير التنمية الاجتماعية، مما منحها فرصة للتأثير في السياسات الإعلامية المرتبطة بالتنمية. رغم ذلك، واجهت تحديات مؤسساتية عديدة، وكانت تؤمن بأن الإعلام يجب أن يكون أداة للتثقيف والتغيير لا مجرد نقل الأخبار.
في عام 1982، قررت توجان فيصل تقديم استقالتها من التلفزيون الأردني، وابتعدت عن الشاشة الرسمية، متجهة إلى الصحافة المكتوبة والإعلام المستقل، حيث وجدت مساحة أكبر للتعبير بحرية ونقد الأوضاع الاجتماعية والسياسية.
في المرحلة التالية، أصبحت توجان كاتبة صحفية بارزة، نشرت مقالات وتحليلات في عدة صحف ومجلات أردنية وعربية، من بينها صحيفة الدستور الأردنية، وصحف ومجلات في بيروت والقاهرة. كما شاركت بانتظام في ندوات ومؤتمرات فكرية داخل الأردن وخارجه.
تميزت كتاباتها بالجرأة والوضوح، وركزت على قضايا حرية التعبير، حقوق الإنسان، التنمية المستدامة، وضرورة الإصلاح السياسي. كانت دائماً صوتاً ناقداً للفساد، وداعماً لمبادئ الديمقراطية وحقوق المرأة، وهو ما جعلها محط متابعة وجدل في الأوساط السياسية والإعلامية.
في عام 1993، بعد رفع الأحكام العرفية في الأردن، انتُخبت توجان فيصل كأول امرأة تدخل مجلس النواب الأردني، وهو إنجاز تاريخي يشير إلى تطور حضور المرأة في الحياة السياسية الأردنية.
في البرلمان، كان صوتها قوياً وواضحاً في مواجهة الفساد ودعم الإصلاح الديمقراطي، وكانت من الأصوات النادرة التي تتحدث بصراحة في قضايا حقوق المرأة، العدالة الاجتماعية، والشفافية.
على الرغم من التحديات التي واجهتها، بما في ذلك معارضة بعض التيارات المحافظة، حافظت على مواقفها الصلبة، وسعت لتعزيز الدور السياسي للمرأة في المملكة.
لم يكن طريق توجان فيصل سهلاً. ففي عام 2002، بعد أن نشرت رسالة مفتوحة إلى جلالة الملك، تتناول فيها قضايا حساسة تتعلق برفع أسعار التأمين واتهامات لرئيس الوزراء، تعرضت لإجراءات قانونية حادة.
تم توقيفها ومحاكمتها بتهمة “المساس بهيبة الدولة ونشر معلومات كاذبة”، وصدر حكم بالسجن لمدة 18 شهراً. رفضت الصمت وخاضت إضراباً عن الطعام احتجاجاً على الحكم، الأمر الذي أدى إلى نقلها إلى المستشفى.
في يونيو 2002، صدر عفو ملكي عنها، لكنه لم يمحو السجل القضائي الذي أثر لاحقاً على قدرتها على الترشح للانتخابات.
في عام 2007، مُنعت من الترشح في الانتخابات النيابية بسبب هذا السجل، بموجب القوانين التي تمنع الأشخاص الذين صدرت بحقهم أحكام جنائية من الترشح لفترة معينة.
توجان فيصل كانت نموذجاً للإعلامية المتمردة التي رفضت الركون إلى التقليد، وسعت دائماً لإثراء المحتوى الإعلامي بالمعرفة والوعي النقدي. لم تكن مجرد مقدمة برامج أو سياسية، بل كانت رمزاً للمرأة الأردنية التي تكافح من أجل حقها في التعبير والمشاركة الفاعلة.
رغم قصر فترة ظهورها على الشاشة مقارنة ببعض زملائها، فإن أثرها في الإعلام والثقافة والسياسة ما زال حاضراً، خاصةً في تحفيز النساء للانخراط في العمل العام والمطالبة بحقوقهن.



