منبر الكلمة

تكديس الذهب في الخزانة الأمريكية: إلى أين؟

بقلم أ.د. عاطف البواب

يُعد الذهب أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي احتفظت بها الدول عبر التاريخ، وقد لعب دوراً محورياً في صعود القوة الاقتصادية للولايات المتحدة. فمنذ الحرب العالمية الأولى وحتى يومنا هذا، شهدت الخزانة الأمريكية تدفقات هائلة من الذهب جعلت الولايات المتحدة أكبر مالك رسمي للذهب في العالم. ويكن استعراض أهم مراحل هجرة الذهب الى الولايات المتحدة الامريكية

أولاً: الحرب العالمية الأولى (1914–1918): مع اندلاع الحرب العالمية الأولى أصبحت الولايات المتحدة مورداً رئيسياً للسلع والمواد الخام للدول الأوروبية المتحاربة. وكانت الدول الأوروبية تسدد جزءاً كبيراً من مشترياتها بالذهب، مما أدى إلى انتقال كميات ضخمة منه إلى الولايات المتحدة. وعند نهاية الحرب كانت الولايات المتحدة قد عززت احتياطياتها الذهبية بشكل كبير، وأصبحت مركزاً مالياً عالمياً منافساً للقوى الأوروبية التقليدية.

ثانياً: فترة ما بين الحربين (1919–1939): خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي استمرت تدفقات الذهب نحو الولايات المتحدة بسبب: القوة الصناعية الأمريكية، والأزمات الاقتصادية في أوروبا، فقدان الثقة ببعض العملات الأوروبية. وفي عام 1933، وخلال أزمة الكساد الكبير، اتخذ الرئيس الأمريكي Franklin D. Roosevelt إجراءات تاريخية شملت تقييد حيازة الذهب من قبل المواطنين وتحويل كميات كبيرة منه إلى الخزانة الأمريكية.

ثالثاً: الحرب العالمية الثانية (1939–1945): مع اندلاع الحرب العالمية الثانية نقلت دول عديدة جزءاً من احتياطياتها الذهبية إلى الولايات المتحدة حفاظاً عليها من مخاطر الاحتلال والحرب. وبحلول عام 1945 كانت الولايات المتحدة تمتلك ما يقارب ثلثي الاحتياطي الذهبي الرسمي في العالم، وهو مستوى لم تصل إليه أي دولة أخرى في التاريخ الحديث.

رابعاً: نظام بريتون وودز (1944–1971): بعد الحرب تم إنشاء Bretton Woods Conference الذي ربط العملات العالمية بالدولار، بينما تعهدت الولايات المتحدة بتحويل الدولار إلى ذهب بسعر ثابت يبلغ 35 دولاراً للأونصة.

وخلال هذه المرحلة أصبح الدولار بمثابة “ذهب ورقي”، لأن البنوك المركزية كانت تستطيع استبداله بالذهب الأمريكي.

خامساً: صدمة نيكسون (1971): في عام 1971 أعلن الرئيس الأمريكي Richard Nixon وقف تحويل الدولار إلى ذهب، فيما عُرف باسم “صدمة نيكسون”. ومنذ ذلك التاريخ انتقل العالم إلى نظام العملات الورقية (Fiat Money)، ولم يعد الدولار مدعوماً بالذهب بشكل مباشر.ورغم ذلك احتفظت الولايات المتحدة بمعظم احتياطياتها الذهبية التي تقدر حالياً بنحو 8133 طناً، وهي الأكبر عالمياً.

سادساً: مرحلة العولمة (1980–2020): خلال هذه الفترة تراجعت أهمية الذهب نسبياً لصالح: سندات الخزانة الأمريكية، والدولار الأمريكي، والأسواق المالية العالمية. واعتبر المستثمرون أن سندات الخزانة الأمريكية هي الملاذ الآمن الأول في العالم نظراً لقوة الاقتصاد الأمريكي والسيولة العالية.

سابعاً: العودة القوية للذهب (2020–الآن): شهدت السنوات الأخيرة تغيراً ملحوظاً في نظرة الدول إلى الذهب نتيجة:

جائحة كورونا، وارتفاع الديون الحكومية العالمية، والتضخم المرتفع، والعقوبات المالية الدولية، والتوترات الجيوسياسية.

ولهذا بدأت البنوك المركزية في مختلف الدول شراء الذهب بوتيرة تعد من الأعلى منذ عقود. لكن لماذا التسابق بين الدول  حالياً لتخزين الذهب؟ هناك عدة أسباب رئيسية أهمها:

1. تقليل الاعتماد على الدولار: بعض الدول تسعى لتنويع احتياطياتها وعدم الاعتماد بشكل كامل على الدولار الأمريكي.

2. الحماية من العقوبات: الذهب أصل مادي لا يعتمد على نظام المدفوعات الدولي ويمكن الاحتفاظ به داخل حدود الدولة.

3. التحوط من التضخم: عندما تنخفض القوة الشرائية للعملات غالباً ما يحافظ الذهب على قيمته على المدى الطويل.

4. تعزيز الثقة المالية: امتلاك احتياطي كبير من الذهب يزيد ثقة المستثمرين بقدرة الدولة على مواجهة الأزمات.

والسؤال الان هو لماذا تفوق الذهب مؤخراً على سندات الخزانة الأمريكية؟ ويمكن ان يعزى الى ما يلي:

1. ارتفاع الدين الأمريكي: تجاوز الدين العام الأمريكي مستويات تاريخية مرتفعة، مما أثار مخاوف بعض المستثمرين بشأن الاستدامة المالية طويلة الأجل.
2. التضخم: عندما يرتفع التضخم تصبح العوائد الحقيقية للسندات أقل جاذبية، بينما يميل المستثمرون إلى الذهب كأداة لحفظ القيمة.
3. المخاطر الجيوسياسية: الحروب والتوترات الدولية تزيد الطلب على الذهب باعتباره أصلاً آمناً لا يعتمد على التزامات أي حكومة.
4. مشتريات البنوك المركزية: شهد العالم أكبر موجة شراء ذهب من البنوك المركزية منذ عقود، وهو ما دعم الأسعار بقوة.

الخلاصة:

منذ الحرب العالمية الأولى وحتى اليوم، بنت الولايات المتحدة أكبر مخزون ذهبي في العالم نتيجة تدفقات الذهب خلال الحربين العالميتين ونظام بريتون وودز. لكن في السنوات الأخيرة بدأت دول عديدة تعزز احتياطياتها الذهبية بسبب المخاوف من التضخم والديون والتوترات الجيوسياسية. ورغم أن سندات الخزانة الأمريكية ما زالت من أهم الأصول المالية العالمية، فإن الذهب استعاد مكانته كملاذ استراتيجي، وأصبح يُنظر إليه من جديد كأداة لحفظ الثروة والسيادة المالية في عالم يزداد اضطراباً وتعقيداً. ولكن من يعتقد ان الولايات المتحدة الامريكة تعمل على اضعاف الدولار مقابل الذهب فهو واهم وبرأي الشخصي يبقى الدلاور المتربع على عرش العملات ما دام القوة السياسية والعسكرية تفرض هيمنتها وهي بيد امريكا حاليا كما يعلم الجميع، وسوف تستمر في تعزيز مخزونها من الذهب جنبا الى جنب مع قوة الدولار.

زر الذهاب إلى الأعلى