
تحكم على البيوت العتيقة بالبراءة من الخراب
كتبت: منى توفيق عثامنه
السيدة رانيا الشيّاب مصمّمة متخصّصة في الأزياء التراثية، حريصة على توثيق التراث ونشره والحفاظ عليه وتطويره. وهي نموذجٌ لامرأةٍ ترتقي بها المجتمعات؛ اجتهدت فأبدعت، حين أسّست مشروعًا ثقافيًا إنتاجيًا، وحوّلت بيتًا قديمًا في مدينة الصريح، أكلت الأيام كثيرًا من ملامحه، وشحبت أركانه المهجورة، إلى مساحة تنبض بالحياة.
كان البيت قد أثقلته العزلة، وأصابه السأم، وربما ظلّ يحمل حنينًا صامتًا إلى أهله ودفء أيامه. فجاءت رانيا بفكرةٍ ناضجة، أخذتها من التأمل إلى الفعل، ومن الإهمال إلى الشغف، ومن الذاكرة إلى مشروعٍ حيّ.
أنفقت من وقتها ومالها وجهدها وإمكاناتها الخاصة في الترميم والتنظيف والصيانة، حتى أصبح المكان مؤهلًا لرصد الثقافة، وجمع الذكريات، وتدريب النساء وتأهيلهن وتمكينهن، وتطوير مهاراتهن وصقل قدراتهن، حتى تتحوّل المهارة إلى فرصة عمل، والفكرة إلى إنتاج، والحلم إلى واقع.
فأصبح العنوان «جديلة»، وأصبح المضمون جديلة، وأصبح المشروع الثقافي متحفًا وجمعيةً ومؤسسةً تحمل اسم جديلة.
وكم تباهت النساء بالجدائل حين كانت ترتمي على كتف الثوب المطرّز، وحين كانت جدائل الفتيات تتزيّن بالشريط الأبيض، فيحلو السير إلى المدرسة صباحًا، وتتغنى البنات بحنان الأمهات، وهنّ يجدلن شعرهنّ بأصابع الأمّهات، فتتحوّل الجديلة إلى فنٍّ جميل وذاكرةٍ لا تشيخ.
هكذا جاءت «جديلة» رانيا الشيّاب؛ حكاية امرأةٍ اتخذت قرارًا صعبًا، لكنه لم يكن مستحيلًا. فالفكرة الناضجة ولدت مشروعًا أنيقًا ناضجًا، والوعي بالفكرة منحها القدرة على فتح الأبواب والنوافذ أمام الإعلام، بحضورٍ وجاذبيةٍ يحترمهما الجميع.
إنها فكرة الجذور والحياة المستقاة من الجذور؛ فكرة الذكريات التي لا ينبغي أن تموت، والحماس الذي انبعث من بين طيّات النسيان، حتى تحوّلت الذكريات إلى صفحاتٍ من التميّز والإبداع.
جديلة هي رانيا، ورانيا هي جديلة؛ وجهان لعملةٍ واحدة، صاغتها الأصالة من ذهب.
جديلة عنوانها الصريح: بابٌ للثقافة لمن يهوى الثقافة، وبابٌ للتدريب لمن يهوى التطوّر، وبابٌ للتمكين لمن تحتاج إلى توجيهٍ وتشجيعٍ ودليلٍ نحو الطريق المناسب.
وجديلة نافذةٌ تُطلّ على مجد الخوالي، وتقول للأجداد: شكرًا لكم، ففضلكم محفوظٌ في خزائن الذاكرة، ومتاحف الصون.
وجديلة عنوانها رانيا الشيّاب؛ المرأة التي تعبت فأنجزت، وأصرّت فتميّزت، وآمنت بفكرتها فحوّلتها إلى أثر.
هنا صورة المرأة التي تصنع وتكافح وتجدّ وتجتهد، ولا تنطوي عن مجتمعها، بل تخرج منه وإليه، حاملةً ذاكرته، حاميةً تراثه، وصانعةً لفرصٍ جديدة للمرأة.
جديلة ليست متحفًا للثياب التراثية والأدوات القديمة فحسب؛ إنها ذاكرةٌ حيّة، وأنشطةٌ ثقافية، ومساحةٌ للتعلّم والتدريب، ومكانٌ للتمكين، وجسرٌ يصل الماضي بالحاضر، ليظلّ التراث حاضرًا في حياتنا لا حبيسًا خلف الزجاج.
وهكذا أصبحت رانيا الشيّاب جزءًا من الحكاية، وأصبحت جديلة جزءًا من رانيا؛ جديلةٌ من ثوبٍ مطرّز، وجديلةٌ من شعرٍ طويل، وجديلةٌ من ذاكرة وطن، وجديلةٌ من امرأةٍ آمنت أن التراث لا يُحفظ بالكلام وحده، بل بالعمل والحبّ والاستمرار. .
