تحريم اليأس

رمضانيات (١١)
نبيل الكوفحي
…
حفل القران الكريم بايات كريمة لعلاج كثير من الأمراض الفردية والجمعية، من تلك الايات الدالات على حرمة اليأس قوله تعالى ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: 56]، فقد نفى الحق سبحانه صفة الايمان عن القانطين من رحمة الله، وإنما ذلك شأن الضالين، وفي اية اخرى ربط اليأس بالكفر كما جاء في قوله تعالى على لسان سيدنا يعقوب عليه السلام وهو يوجه أبناءه بقوله { إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] وكانت النتيجة كما وجههم.
وفي سياق التوبة وعدم استثقال المعاصي والذنوب كان التوجيه الإلهي حاسما حيث لا تقف تلك دون باب التوبة بقوله ﴿ قُلْ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].
حال الإنسان باليأس اما حال دائم مستمر، كما الحال الموصوف في الايتين السابقتين، او حال مؤقت متبدل، مرتبط بحال التبدل من النعمة والرخاء إلى الفقر والحاجة والخوف. لذلك عاب الله سبحانه على البشر هذا التبدل نحو اليأس بقوله تعالى ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: 36]، مع ربطه ان السبب هو بما كسبت أيديهم، وانما حال المؤمن الشكر بالسراء والصبر بالضراء لأنهما امتحانان للمؤمن.
في أيامنا هذه؛ حالات اليأس لا تتوقف عن أحوال الفرد الشخصية، بل تتعداها إلى اليأس من تغير حال المجتمع والشعب والأمة، وتسلط اعدائها عليها، خاصة في ظل استمرار استهدافها عبر اكثر من قرن من الزمان. والأمر الإلهي بحق الجماعة لا يختلف عن الفرد، وقد جاءت الاية الكريمة لبيان ان النصر ياتي بعد القيام بالواجب، وهذا الحال يحتاج لجهد وجهاد، فاذا كان حال الرسل عليهم السلام من القيام بالجهد لدرجة من قبل اليأس من انتظار النصر، فكيف الحال بنا، لذلك كان التصوير القرآني بالغ الدقة بقوله تعالى ﴿ حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾. وبيان حال هلاك الامم السابقة التي وقفت ضد رسلها حاضر في القران الكريم ليؤكد الحقيقة الكبرى بنصره لعباده، بل وصف الله لحظة الضعف لبني إسرائيل مع سيدنا موسى عليه السلام من جهة، والجبروت من جهة الأخرى لفرعون وجنوده بقوله { فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ).
لقد أكد سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه حقيقة وجوب الأمل وعدم جواز اليأس حتى في أحلك، فكان جوابه لاصحابه وهم يشكون الضعف والملاحقة بعرس الامل في النفوس قائلاً: «والله لَيُتِمَّنَّ هذا الأمرَ حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون». وجعل من تربية النفس وتقويمها دوام الاستعاذة من صفات العجز التي تؤدي لليأس كورد يومي تستذكره؛ فكان من دعاء النبي ﷺ: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ…). وكان توجيهه لاصحاب الرأي والتأثير كما جاء في صحيح مسلم عن أبي موسى، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره، قال ( بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا).
من علاجات اليأس ان نحسن الظن بالله، بقدرته وعظمته وعدالته، وكيف فعل بالظالمين المجرمين، يقول الله تعالى في الحديث القدسي ( أنا عِندَ ظنِّ عبدي بي، فلْيظُنَّ بي ما شاء) [رواه أحمد والدارمي وابن حبان]. ودراسة الاآيات الدالة على ذلك، { كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ}. وهذا يستلزم القيام بالواجب الاول والاستعداد الأساسي له الذي اكدته الحقيقة القرانية {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد:11] ، والإتيان بالعدة المستطاعة { وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [60: الأنفال].
ونحن في رمضان؛ مدرسة التقوى والصبر وتربية النفس، ما أحرانا ان نحارب اليأس ونربي انفسنا على العمل والأمل والجهاد، وما اجمل ما قاله ابن القيم رحمه الله ( القُنوطُ مِن رَحمةِ اللهِ، واليأسُ مِن رَوحِ اللهِ… لا صَلاحَ للقَلبِ ولا للجَسَدِ إلَّا باجتِنابِها).
وتقبل الله صيامكم وتربية نفوسكم وأبنائكم على الامل بالله بوعده وقدرته والأخذ بأسباب استحقاقنا لذلك



