منبر الكلمة

بين الدولة والناس… مسافة وجع

 

عدنان نصّار

في بلدٍ صغيرٍ بحجم القلب، لا يحتاج الوجع إلى من يعرّفه.
هو حاضرٌ في تفاصيل الحياة اليومية، في الوجوه التي تعبر الشوارع بصمت، وفي البيوت التي تعلّمت كيف تُدبّر القليل، وفي صدور الناس التي امتلأت بالأسئلة أكثر مما امتلأت بالإجابات.
الأردن ليس بلدًا فقيرًا بالمحبة، لكنه مُتخم بالتعب، بلدٌ اعتاد الصبر حتى صار الصبر فيه أسلوب حياة لا خيارًا.
بين الدولة والناس مسافة… ليست مسافة مكان، بل مسافة شعور.
الدولة تتحدث غالبًا بلغة الأرقام، والناس يعيشون بلغة الواقع: فاتورة كهرباء، قسط جامعة، أجرة بيت، وقلق دائم من الغد. وبين اللغتين، يتراكم وجعٌ صامت، لا يصرخ، لكنه لا يختفي.
المواطن الأردني لا يطلب المستحيل.
لا يطلب رفاهًا زائدًا، بل عدالة واضحة، وفرصًا متكافئة، وإحساسًا حقيقيًا بأن جهده لا يضيع في الفراغ. يريد أن يشعر أن صوته مسموع قبل أن يتحول إلى همس، وأن صبره مقدَّر لا مستهلَك.
سياسيًا، تكمن المعضلة في فجوة القرار.
كثير من السياسات تُتَّخذ بمعزل عن المزاج الاجتماعي الحقيقي، أو تُقدَّم بوصفها ضرورات لا بدائل لها، دون حوار كافٍ أو شرح مقنع. وحين يغيب الإشراك الحقيقي للناس في النقاش العام، يتحول القرار، حتى وإن كان سليمًا في جوهره، إلى عبء نفسي واجتماعي. المشكلة ليست في وجود دولة قوية، بل في أن يشعر المواطن أن هذه القوة تعمل معه لا فوقه، وأن الإصلاح لا يُدار فقط من المكاتب، بل يُبنى بالثقة والشفافية والمساءلة.
في الشارع، ترى الأردن كما هو:
موظفٌ يحسب الشهر بالأيام لا بالأحلام، شابٌ يؤجّل حياته لأن الفرصة لم تكتمل، أمٌّ تختصر أمنياتها في سلامة أبنائها. هؤلاء ليسوا أرقامًا في تقارير رسمية، بل قصصًا إنسانية كاملة، تستحق أن تكون في صلب السياسات لا على هامشها.
الدولة، حين تبتعد عن نبض الناس، لا تخسرهم دفعة واحدة، لكنها تخسر ثقتهم تدريجيًا. والثقة، حين تتآكل، لا تُستعاد بالخطاب وحده، بل بسياسات عادلة، وقرارات قابلة للفهم، وشعور صادق بأن المواطن شريك في النتائج كما هو شريك في الأعباء.
نحن لا نعيش أزمة ولاء، بل أزمة شعور بالإنصاف.
لا نحتاج إلى مزيد من الدعوات للصبر، بل إلى سياسات تُخفّف أسبابه. فالصبر، حين يطول دون أفق، يتحول من قيمة وطنية إلى وجعٍ مؤجَّل.
في بلدٍ صغيرٍ بحجم القلب، يجب أن تكون المسافة بين الدولة والناس بحجم اليد… قريبة، دافئة، وقادرة على الإمساك بالوجع قبل أن يكبر.
لأن الوطن، في النهاية، ليس ما نقوله عنه، بل ما يشعر به أبناؤه وهم يعيشون فيه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى