انهضي يا سيدتي

عمان-الأردن
٢٠٢٦/٣/٨
القس سامر عازر
في الثامن من آذار من كل عام يحتفل العالم بـ اليوم العالمي للمرأة، لكن هذا اليوم ليس مجرد مناسبة لتقديم الورود والكلمات الجميلة، بل هو قبل كل شيء دعوة عميقة إلى مراجعة ضمير الإنسانية كلها. إنّه يوم لتكريم المرأة، لكنه أيضاً يوم لتحرير الرجل من عقدة الخوف من قدرة المرأة، ومن وهم التفوق الذي صنعته قرون طويلة من العادات والتقاليد غير العادلة.
إن المرأة لم تكن يوماً هامشاً في مسيرة الحياة، بل كانت دائماً في قلبها. فهي الأم التي تمنح الحياة، والمربية التي تزرع القيم، والشريكة التي تبني مع الرجل حضارة الإنسان. لذلك فإن نهضة المجتمعات لا يمكن أن تتحقق إلا حين يقف الرجل والمرأة معاً في شراكة حقيقية في الخلق والبناء، في إرساء قواعد الحق والعدالة والسلام.
لقد أثبت التاريخ أن المجتمعات التي احترمت المرأة وأطلقت طاقاتها هي المجتمعات التي تقدمت وازدهرت. فالمرأة ليست كائناً يحتاج إلى شفقة، بل طاقة خلاقة تحتاج إلى فرصة وعدالة. وكما تقول الكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفوار:
“لا تولد المرأة امرأة، بل تصبح كذلك”، في إشارة إلى أن المجتمع هو الذي يضع القيود أو يفتح الأبواب أمام طاقات المرأة.
إن تحرير المرأة لا يعني صراعاً مع الرجل، بل تحرير الإنسان كله من أنماط التفكير الضيقة. فالمرأة حين تنهض، لا تسحب البساط من تحت أقدام الرجل، بل ترفع معه سقف الإنسانية. ولذلك قال المفكر الفرنسي جاك ماريتان إن كرامة الإنسان لا تتجزأ، وإن العدالة الحقيقية تقوم على الاعتراف الكامل بكرامة كل شخص، رجلاً كان أم امرأة.
وما أجمل ما قاله الزعيم الإنساني مارتن لوثر كينغ الابن:
“الظلم في أي مكان تهديد للعدل في كل مكان.”
فالتمييز ضد المرأة ليس مشكلة نسائية فحسب، بل هو جرح في ضمير العدالة الإنسانية.
وفي عالمنا العربي أيضاً نماذج مشرقة لنساء كنّ شريكات حقيقيات في بناء المجتمع والدفاع عن القيم والهوية. فالمرأة العربية كانت دائماً حاضرة في التربية والثقافة والعمل الوطني والاجتماعي، رغم التحديات والصعوبات. لذلك فإن الاعتراف بدورها ليس منّةً من أحد، بل هو اعتراف بالحقيقة.
إن رسالة هذا اليوم الثامن من آذار ليست أن نقول للمرأة شكراً فحسب، بل أن نقول لها أيضاً: انهضي. انهضي بعلمك، بفكرك، بحضورك في المجتمع، بصوتك الذي يدافع عن الكرامة والعدل. وانهض أيها الرجل أيضاً من مخاوفك القديمة، لأن المرأة ليست منافسك في الحياة، بل شريكتك في صنعها.
فحين تنهض المرأة، ينهض البيت.
وحين ينهض البيت، ينهض المجتمع.
وحين ينهض المجتمع، يقترب العالم خطوة أخرى من السلام الذي نحلم به.
لذلك نقول في هذا اليوم:
انهضي يا سيدتي… فنهضتك ليست لك وحدك، بل هي نهضة الإنسانية كلها.



