منبر الكلمة

انتخابات البلديات… ما بين الوجاهة والخدمة

 

عدنان نصّار

كلما اقترب موعد انتخابات البلديات، يعود السؤال الأكثر إلحاحًا في الشارع الأردني: هل ننتخب من يمثّل وجاهتنا أم من يخدم احتياجات مدينتنا؟
سؤالٌ يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يُخفي خلفه تاريخًا طويلًا من التداخل بين البُعد الاجتماعي والبُعد الإداري، بين “من نعرفه” و“ما نحتاجه”.

البلديات في الأصل هي مؤسسات تُعنى بالحياة اليومية للناس؛ الشوارع التي يمرّون بها، الأرصفة التي يسيرون عليها، الحدائق التي يلجأ إليها الأطفال، والنظافة التي تعكس احترام المدينة لأهلها. لكن هذه الوظائف الحيوية كثيرًا ما تُختزل في موسم انتخابي تتحول فيه البلديات إلى “ساحة وجاهة”، لا إلى “ورش خدمة”.

*الوجاهة… حين يتحوّل المنصب إلى لقب

لا يمكن إنكار أن الإرث الاجتماعي يلعب دورًا مؤثرًا في الانتخابات البلدية.
ففي بعض المدن والبلدات، يُنظر إلى رئيس البلدية كونه عنوانًا اجتماعيًا قبل أن يكون مسؤولًا إداريًا. صورة متصدّرة في المناسبات، مقعد في الصف الأول، وامتداد نفوذ عائليّ يُضاف إلى تاريخ سابق من الوجاهة.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح المنصب ذاته غاية للظهور لا وسيلة للعمل.
حين يتحوّل شعار “خدمة الناس” إلى جملة محفوظة، فيما تختفي البرامج الواقعية، وتظهر بدلًا منها لغة عاطفية تُخفي غياب التخطيط. وحين يفوز من لا يملك خبرة أو رؤية واضحة، تدفع المدينة الثمن من شوارع متهالكة، وبنية تحتية متهشّمة، ومشاريع مؤجلة إلى أجل غير مسمّى.

*الخدمة… جوهر البلدية الذي لا يُفترض أن يُنسى

في الجانب الآخر، هناك من يدرك أن البلدية ليست مكتبًا للوجاهة، بل مؤسسة خدمية تتطلب إدارة ووعيًا وقدرة على التخطيط.
المرشح الحقيقي هو من يتجوّل بين الأحياء قبل الانتخابات وبعدها، من يسمع بأذان مفتوحة لا من يخطب على منصات عالية، من يقرأ أرقام الموازنات لا عدد الإعجابات على صفحات التواصل.

هؤلاء المرشحون –وإن كانوا أقل صخبًا– هم من يصنعون الفرق في مدن مثل إربد والزرقاء والرصيفة والكرك.
فهم يؤمنون أن البلدية ليست مكانًا لرفع مكانة الشخص، بل لرفع مستوى المدينة. وأن الإصلاح يبدأ من مشروع تعبيد بسيط يُنجز بضمير، لا من خطابات متخمة بالشعارات.

*بين الناخب والمرشح… مسافة الوعي

الخلل الأكبر ربما لا يكمن في المرشح وحده، بل في اختيارات الناخبين.
فعندما يُصوَّت اعتمادًا على صلة القربى أو المكانة الاجتماعية، لا يمكن أن ننتظر بلدية متقدمة مهما كانت الموارد متاحة.
الوعي الانتخابي هنا مفصلٌ حاسم:
هل نمنح صوتنا لمن نعرفه… أم لمن نحتاجه؟
لمن يمثل اسم العائلة… أم لمن يقدم برنامجًا واضحًا قابلًا للتنفيذ؟

تجارب السنوات الماضية أثبتت أن البلدية يمكن أن تكون محرّكًا تنمويًا قويًا إذا اختيرت إدارتها على أساس الكفاءة، ويمكن في الوقت نفسه أن تتحوّل إلى عبء ثقيل إذا بقيت رهينة التوازنات العشائرية والشخصية.

*إربد نموذجًا… مدينة تبحث عمّن يفهم نبضها

إربد، المدينة الكبيرة التي تنبض بحركة التجارة والجامعات والأسواق، ربما تقدّم النموذج الأوضح لهذا التناقض.
المدينة تحتاج إلى تخطيط عمراني جاد، وإدارة مرورية فاعلة، ومشاريع مستدامة لا تقوم على حلول ترقيعية.
لكن بين الحاجة الملحّة والاختيار الانتخابي، تقف المدينة أحيانًا وحيدة تواجه الفوضى العمرانية وتباطؤ الخدمات.

وربما آن الأوان أن يدرك الناخب في إربد وفي غيرها أن البلديات ليست “جواز عبور للوجاهة”، بل مسؤولية يومية لها أثر مباشر على الحياة، من أول خطوة في الشارع إلى آخر فاتورة تُدفع في نهاية الشهر.

*أثر البلديات في حياة الناس… التفاصيل التي تصنع الفرق

قد لا يدرك كثيرون حجم تأثير البلديات على تفاصيل يومية صغيرة تبدو عابرة، لكنها في الحقيقة ترسم ملامح جودة الحياة.
فحين تتأخر البلدية في جمع النفايات، يشعر الناس بأن مدينتهم تخذلهم قبل أن يخذلهم الطقس.
وحين تُضاء الشوارع ليلًا، يشعر المارّ بأن المدينة تحتضنه.
وحين يُعبَّد شارع بشكل صحيح، يقلّ عدد سيارات الإصلاح على أبواب الورش.
وحين تُنظم الأرصفة، يجد كبار السن والمرضى طريقًا آمنًا نحو الصيدلية أو المسجد.
وحين تُدار الأسواق بوعي، تنتظم الحركة التجارية، ويزداد دخل البسطاء.

البلدية ليست جهة “تنفذ مشروعًا” فقط، بل جهة تُعيد صياغة علاقة الإنسان بمدينته:
هل يشعر بالارتياح؟
هل يشعر بالأمان؟
هل يشعر بأن المدينة تُشبهه وتُقدّر تعبه اليومي؟

هذه الأسئلة لا يجيب عنها البرلمان ولا الحكومة… بل البلدية.
هي المؤسسة الأقرب لحياة الناس، والأكثر تأثيرًا على يومهم العادي.
ومن هنا، فإن سوء الاختيار لا يعني خسارة منصب، بل خسارة راحة مدينة بأكملها.

* الوجاهة عابرة والخدمة باقية

قد تتبدل الوجاهة، وقد تتغير الألقاب، لكن أثر القرار البلدي يبقى طويلًا.
مدينة تُدار بعقلية الخدمة تثمر مستقبلًا أفضل، ومدينة تُدار بعقلية الوجاهة تستمر في الدوران حول ذات المشكلات دون حلول.

والانتخابات المقبلة ليست مجرد حدث ديمقراطي، بل اختبار جديد للوعي:
هل نختار من يرفع مقامه… أم من يرفع مدينتنا؟
الإجابة ليست في يد المرشحين، بل في يد الناس… عند لحظة وضع الورقة في الصندوق.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى