
اليمن.. حين يصبح باب المندب هو هرمز الجديد
بقلم: مؤيد أحمد المجالي
لم تعد الحرب في اليمن حرباً على اليمن.
هذه هي الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح.
ما يجري اليوم بين السعودية والحوثيين ليس مجرد جولة جديدة في حرب عمرها أكثر من عقد، وليس مجرد محاولة سعودية لاستعادة مواقع فقدتها قوات الحكومة اليمنية، ولا مجرد رد حوثي على غارات الرياض.
اليمن أصبح جبهة متقدمة في الحرب الإقليمية على إيران، وباب المندب بدأ يتحول إلى الورقة المقابلة لمضيق هرمز.
وهنا تحديداً تكمن خطورة المشهد.
فالذي يحدث في صنعاء والحديدة ومأرب والساحل الغربي لا يمكن قراءته بعيداً عن طهران والرياض وواشنطن وتل أبيب، ولا بعيداً عن الحرب على غزة، ولا عن المضائق البحرية التي أصبحت اليوم جزءاً من سلاح الحرب نفسها.
لقد خرج اليمن من هامش الأزمة الإقليمية وأصبح في قلبها.
السعودية عادت إلى الحرب.. ولكن هذه المرة لسبب مختلف:
حين تدخلت السعودية عسكرياً في اليمن عام 2015، كان العنوان هو منع الحوثيين من إسقاط الحكومة اليمنية وفرض واقع سياسي جديد على حدود المملكة.
أما اليوم فالمعادلة أكثر خطورة.
الحوثيون لم يعودوا مجرد قوة يمنية تسيطر على صنعاء.
لقد أصبحوا قوة صاروخية ومسيّرة قادرة على تهديد الأراضي السعودية، وقوة بحرية تستطيع التأثير في الملاحة عبر البحر الأحمر، وقوة سياسية وجغرافية مرتبطة بصورة مباشرة بالصراع مع إيران.
وفي سبتمبر وأكتوبر 2026 تمكن الحوثيون من التقدم على الساحل الغربي والسيطرة على مواقع قريبة من باب المندب، بينما بدأت السعودية والقوى اليمنية المدعومة منها عملية مضادة لاستعادة تلك المناطق.
وهنا تغيرت وظيفة الحرب.
السعودية لم تعد تقاتل فقط لمنع الحوثي من الوصول إلى الرياض؛ بل تقاتل لمنع الحوثي من الوصول إلى البحر.
والفرق بين الأمرين هائل.
من يملك باب المندب يملك ورقة ضغط على العالم:
باب المندب ليس مجرد مضيق صغير في أقصى جنوب البحر الأحمر.
إنه إحدى بوابات التجارة والطاقة العالمية.
ومن يملك القدرة على تهديده يستطيع التأثير في حركة السفن بين آسيا وأوروبا، وفي صادرات الطاقة السعودية، وفي قناة السويس، وفي حسابات شركات النقل والتأمين والطاقة.
وهنا تصبح السيطرة الحوثية على أجزاء من الساحل الغربي أكثر من مكسب عسكري.
إنها ورقة استراتيجية.
فإيران، التي تواجه خصومها من جهة الخليج عبر هرمز، تستطيع من خلال حليفها الحوثي أن تمتلك نفوذاً مقابلاً على الطرف الآخر من الجزيرة العربية.
وهكذا تصبح الخريطة أكثر وضوحاً:
هرمز في الشرق.
باب المندب في الغرب.
وبينهما الخليج العربي والبحر الأحمر وشريان الطاقة العالمي.
وقد حذرت تحليلات حديثة من أن تقدم الحوثيين باتجاه باب المندب يمنح طهران إمكانية الضغط على اثنين من أهم ممرات الطاقة في المنطقة في وقت واحد.
إيران لا تحتاج إلى إغلاق المضيق بنفسها:
وهنا تكمن براعة الجغرافيا السياسية.
إيران ليست بحاجة بالضرورة إلى أن تكون موجودة عسكرياً في باب المندب.
يكفي أن تكون هناك قوة حليفة لها قادرة على تهديده.
هذه هي قيمة الحوثيين في الحساب الإيراني.
فالحوثي ليس مجرد طرف في حرب يمنية.
إنه، من منظور الصراع الإقليمي، نقطة ضغط بعيدة عن الحدود الإيرانية وقريبة من شرايين خصومها.
وفي المقابل، يستطيع الحوثيون استخدام العلاقة مع إيران للحصول على تقنيات وقدرات عسكرية تجعلهم أكثر قدرة على البقاء والمواجهة.
لكن اختزال الحوثيين في أنهم مجرد “وكيل إيراني” يبقى تبسيطاً للصورة.
فالحرَكة نشأت من ظروف يمنية، ولها مصالحها وحساباتها وأجندتها الخاصة.
إلا أن هذا لا يغير حقيقة أن العلاقة مع طهران جعلت وزنها الإقليمي أكبر بكثير من حجمها الجغرافي.
هنا يدخل ترامب:
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يجد نفسه أمام معادلة لا تشبه المعادلة التي دخل بها البيت الأبيض.
واشنطن تريد منع إيران من السيطرة على الممرات البحرية، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو راغبة في فتح جبهة يمنية كاملة إلى جانب السعودية.
بل إن الولايات المتحدة رفضت حتى الآن الانضمام مباشرة إلى العملية السعودية ضد الحوثيين، رغم طلبات الرياض، وفق تقارير أميركية.
وهذا ليس تفصيلاً.
إنه مؤشر على تغير في حسابات واشنطن.
ترامب يخوض حرباً واسعة مع إيران، ولا يريد بالضرورة أن يتحول اليمن إلى مستنقع عسكري جديد يستنزف القوات الأميركية.
وفي الوقت نفسه، لا يستطيع تجاهل باب المندب.
لأن إغلاق هرمز شيء.
وفتح جبهة في باب المندب شيء آخر.
أما إغلاق الاثنين معاً، فهو سيناريو قادر على إعادة رسم الاقتصاد العالمي.
ولهذا تبدو واشنطن عالقة بين خيارين:
أن تحمي السعودية وتخاطر بتوسيع الحرب.
أو
أن تترك السعودية تواجه الحوثيين وحدها وتخاطر بأن تتحول إيران وحلفاؤها إلى قوة قادرة على الضغط على أهم ممرات الطاقة والتجارة.
وحتى الآن يبدو أن واشنطن تحاول الإمساك بالعصا من منتصفها.
السعودية بدأت تبحث عن بدائل:
وهنا تأتي واحدة من أكثر الإشارات دلالة.
إذا لم تكن واشنطن مستعدة لخوض الحرب اليمنية نيابة عن السعودية، فإن الرياض ستبحث عن شركاء آخرين.
ولهذا ظهرت خلال الفترة الأخيرة تحركات سعودية لبناء ترتيبات دفاعية أوسع مع قوى مثل باكستان وتركيا. كما أشارت تقارير إلى بحث الرياض عن دعم إقليمي لمواجهة الحوثيين.
وهذا يعني أن المسألة لم تعد:
السعودية تعتمد على أميركا.
بل بدأت تتحول إلى:
السعودية تبني شبكة أمن إقليمية أوسع لأن طبيعة التهديد تغيرت.
وهذا تطور يستحق المراقبة.
إسرائيل ليست بعيدة عن المشهد:
الحوثيون جعلوا إسرائيل جزءاً مباشراً من خطابهم العسكري منذ حرب غزة.
والهجمات على السفن المرتبطة بإسرائيل أو المتجهة إليها جعلت البحر الأحمر جزءاً من الحرب الإسرائيلية – الفلسطينية.
وهنا تتشابك الملفات بصورة غير مسبوقة:
– غزة تؤثر في البحر الأحمر.
– البحر الأحمر يؤثر في السعودية.
– السعودية تواجه الحوثيين.
– الحوثيون يرتبطون بإيران.
– إيران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
– وواشنطن تحاول حماية أمن الملاحة والطاقة.
وهكذا تصبح طلقة في اليمن جزءاً من معادلة تمتد إلى غزة وطهران وواشنطن والرياض.
هذه ليست مبالغة سياسية.
هذه هي طبيعة التشابك الذي أنتجته الحرب الحالية.
إسرائيل قد ترى في اليمن جبهة بعيدة عن حدودها:
من منظور الأمن الإسرائيلي، وجود قوة مسلحة معادية على باب المندب يمثل تهديداً للملاحة الإسرائيلية القادمة من آسيا وإفريقيا، فضلاً عن التهديد المباشر الذي يمثله الحوثيون بإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة نحو إسرائيل.
لكن دخول إسرائيل عسكرياً إلى اليمن يفتح سؤالاً أكثر تعقيداً:
هل تريد الرياض حرباً إسرائيلية في جوارها الجنوبي؟
وهل تريد واشنطن أن يتحول الحوثيون إلى جبهة إسرائيلية جديدة؟
وهل يمكن لإسرائيل أن تضرب الحوثيين من دون أن توسع الحرب مع إيران؟
كل إجابة تفتح مشكلة جديدة.
ولهذا فإن اليمن قد يكون الجبهة التي يريد الجميع استخدامها، لكن لا أحد يريد أن يتحمل كامل ثمنها.
المعضلة السعودية:
السعودية أمام معضلة حقيقية.
إذا تركت الحوثيين يسيطرون على الساحل الغربي وباب المندب، فإن أمنها البحري وصادراتها عبر البحر الأحمر يصبحان أكثر تعرضاً للضغط.
وإذا دخلت حرباً واسعة لاستعادة تلك المناطق، فقد تجد نفسها مرة أخرى داخل حرب استنزاف طويلة.
وإذا طلبت تدخلاً أميركياً واسعاً، فقد تجد أن واشنطن لديها أولويات أخرى.
وإذا اعتمدت على تحالفات إقليمية، فعليها أن تدير شبكة معقدة من المصالح المتعارضة داخل اليمن نفسه.
وهنا تظهر الحقيقة التي تجاهلتها كثير من الحروب في المنطقة:
إسقاط مواقع العدو أسهل بكثير من بناء النظام الذي سيحل مكانه.
الحوثيون أيضاً أمام معضلة:
فالسيطرة على باب المندب تمنح الحوثيين قوة هائلة، لكنها في الوقت نفسه تجعلهم هدفاً مباشراً للسعودية والولايات المتحدة وإسرائيل، وربما لقوى دولية أخرى ترى في تهديد الملاحة خطاً أحمر.
وكلما توسع الحوثيون جغرافياً، زادت قيمة أوراقهم.
لكن كلما زادت قيمة أوراقهم، زادت تكلفة الاحتفاظ بها.
وهذا هو منطق القوة في الشرق الأوسط:
القوة التي تجعل خصمك يخاف منك قد تجعله أيضاً يبحث عن طريقة لتدميرك.
إيران واللعبة الأبعد:
إيران لا تحتاج بالضرورة إلى أن تنتصر عسكرياً في اليمن حتى تحقق مكسباً استراتيجياً.
يكفي أن يبقى الحوثيون قوة يصعب إخضاعها.
يكفي أن يبقى باب المندب غير مستقر.
يكفي أن تضطر السعودية إلى إنفاق موارد عسكرية وسياسية ضخمة.
يكفي أن تضطر الولايات المتحدة إلى توزيع قواتها بين هرمز والبحر الأحمر والخليج.
في حروب النفوذ، لا يكون الانتصار دائماً باحتلال عاصمة.
أحياناً يكون الانتصار هو منع خصمك من الوصول إلى الاستقرار.
وهذه واحدة من أهم مفاتيح قراءة السلوك الإيراني في المنطقة.
لكن المشكلة أن اليمن يدفع الثمن:
وسط هذه الحسابات، هناك دولة اسمها اليمن.
وشعب اسمه اليمنيون.
ومدن مدمرة.
وملايين يعيشون بين الفقر والنزوح والخوف.
وتشير التقارير الأخيرة إلى نزوح أكثر من 200 ألف شخص منذ بداية التصعيد الحالي، بينما تتسع دائرة الخسائر الإنسانية.
وهنا يصبح المشهد أكثر قسوة:
القوى الكبرى تتحدث عن الممرات البحرية.
والسعودية تتحدث عن أمنها.
وإيران تتحدث عن المقاومة.
وأميركا تتحدث عن حرية الملاحة.
وإسرائيل تتحدث عن أمنها.
أما اليمني فيبحث عن منزل لم تصله الحرب.
الحرب لم تعد بين السعودية والحوثي:
هذه هي الخلاصة.
من الخطأ أن نكتب عنوان المرحلة:
“السعودية تحارب الحوثيين”.
العنوان الأدق هو:
“الشرق الأوسط يتصارع فوق اليمن.”
السعودية تريد منع تحول الحوثيين إلى قوة مهيمنة على ساحل البحر الأحمر.
إيران تريد الحفاظ على نفوذها وأوراقها في الإقليم.
الحوثيون يريدون تثبيت قوتهم داخل اليمن وخارجه.
أميركا تريد حماية الملاحة ومنع إيران من التحكم بممرات الطاقة، من دون أن تغرق في حرب مفتوحة جديدة.
إسرائيل تريد تحييد تهديد الحوثيين.
والجميع يعرف أن باب المندب ليس ملكاً لليمن وحده، لأن إغلاقه أو تهديده يعني العالم كله.
هرمز وباب المندب.. حين تصبح الجغرافيا سلاحاً:
ربما تكون هذه هي الصورة الأهم في كل ما يحدث.
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يبدو الشرق الأوسط وكأنه يقف بين مضيقين:
هرمز في الشرق، وباب المندب في الغرب.
الأول يمكن أن تضغط عليه إيران.
والثاني يمكن أن يضغط عليه الحوثيون.
وبينهما توجد السعودية، التي تحاول أن تمنع تحويل البحر الأحمر إلى نسخة أخرى من الخليج.
ولهذا فإن الحرب في اليمن لم تعد مجرد حرب على السلطة.
إنها حرب على الموقع.
ومن يسيطر على الموقع يستطيع أن يفاوض على ما هو أبعد من الموقع.
السؤال الذي يجب أن يقلق المنطقة:
السؤال ليس:
هل تستطيع السعودية استعادة باب المندب؟
ولا:
هل يستطيع الحوثيون الاحتفاظ به؟
السؤال الأخطر هو:
ماذا يحدث إذا أصبح باب المندب وهرمز ورقتين في حرب واحدة؟
عندها لن تكون الأزمة أزمة يمنية أو سعودية أو إيرانية.
ستكون أزمة عالمية.
لأن العالم يستطيع تحمل حرب في اليمن.
ويستطيع تحمل أزمة في الخليج.
لكن ماذا لو أصبحت أهم ممرات الطاقة والتجارة في الشرق الأوسط جزءاً من حرب واحدة؟
عندها لن يكون النفط وحده في مرمى النار.
ستكون التجارة.
والأسواق.
والنقل.
والغذاء.
والاقتصاد العالمي.
وربما الأمن الدولي نفسه.
ولهذا فإن ما يحدث اليوم في اليمن يستحق أن يُقرأ بعين مختلفة.
فالحرب التي بدأت من صنعاء قد لا تكون نهايتها في صنعاء.
وقد لا يكون الهدف الحقيقي منها صنعاء أصلاً.
ربما يكون الهدف هو البحر.
وربما يكون البحر هو الرسالة.
وربما يكون باب المندب هو الورقة التي تقول للعالم كله:
في الشرق الأوسط الجديد، لم تعد السيطرة على الأرض وحدها تصنع القوة؛ أحياناً يكفي أن تضع يدك على المضيق كي يصبح العالم مضطراً إلى سماع صوتك.
