منبر الكلمة

الواسطة… حين تتحوّل الدولة إلى غنيمة

إياد عبد الفتاح النجار
كاتب وباحث في الشأن العام
الأمين العام لحزب القدوة الأردني
انا لا اريد ان اتحدث عن واقعة بذاتها وإنما سأتحدث بشكل عام، لان الواسطة لم تعد سلوكًا فرديًا عابرًا أو خللًا إداريًا يمكن التغاضي عنه، بل تحوّلت إلى منظومة غير معلنة تُدار من خلالها الفرص والوظائف والتعيينات، وتفرض منطقها في مواجهة القانون، بل وتنتصر عليه في كثير من الأحيان.
والخطير في هذه المنظومة أنها لم تعد استثناءً، بل أصبحت قاعدة خفية تتحكم بمسارات الناس ومستقبلهم، فيما يُترك القانون ليُطبّق فقط على من لا يملكون ظهرًا أو نفوذًا أو توصية.
لسنا هنا أمام حالات فردية يمكن محاسبتها، بل أمام نظام متضافر يكاد ان يكون متكاملا، لا يُكتب في قرار رسمي ولا يظهر في تقارير الرقابة، لكنه يسلب الحقوق من أصحابها ويمنحها لغير مستحقيها، ويُراكم شعورًا عامًا بالظلم وفقدان الثقة.
يتجلى هذا الخلل بوضوح في ملف التعيينات والترقيات وغيرها، حيث يُفترض أن تكون الكفاءة والنزاهة والخبرة هي الأساس، لكنها في الواقع تُستبدل بمعايير أخرى: القرب، الولاء، العلاقات، القدرة على الوصول والمبادلة. وفي كثير من الحالات، لا يخسر صاحب الكفاءة فرصة عمل فحسب، بل يخسر إيمانه بعدالة الدولة حين يكتشف أن شهادته وخبرته لا تساوي مكالمة هاتفية أو “تنسيبًا” غير معلن.
ولا تتوقف آثار هذه الممارسات عند الأفراد، بل تمتد إلى المؤسسات ذاتها، فتُفرغها من مضمونها، وتحوّلها إلى هياكل ضعيفة تُدار بمنطق المجاملة لا بمنطق المسؤولية، وتنتج قرارات لا ترقى إلى حجم التحديات الوطنية.
هذا النوع من الفساد هو الأخطر، لأنه لا يُصنَّف كقضية مالية، ولا يُلاحق كجريمة تقليدية، لكنه يضرب جوهر الدولة: العدالة وتكافؤ الفرص. وهو فساد يُربّي أجيالًا على قناعة مدمّرة مفادها أن النجاح لا يُبنى على الجهد والاستحقاق، بل على العلاقات والنفوذ.
ولا يمكن الحديث عن إصلاح سياسي أو إداري حقيقي في ظل استمرار منظومة الواسطة بهذا الشكل. فالإصلاح لا يبدأ من النصوص القانونية وحدها، بل من كسر الحلقة الأخطر: تعيين غير الأكفأ في الموقع العام، وإقصاء صاحب الحق لأنه لا يملك واسطة.
إن الإصلاح الحقيقي يعني أن يشعر المواطن بأن الدولة تقف على مسافة واحدة من الجميع، وأن الوظيفة العامة مسؤولية وطنية لا مكافأة شخصية، وأن الكفاءة لم تعد عبئًا على صاحبها، بل ضمانة له.
من دون ذلك، سيبقى الإصلاح مجرد شعار جميل يُستهلك في الخطابات، بينما تستمر منظومة الواسطة في تفريغ الدولة من مضمونها، وتكريس اليأس بدل الانتماء، والولاء للأشخاص بدل الولاء للوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى