
المصيبة اعظم إن كان الرئيس لا يدري
ماجد القرعان
من غير المقبول ومرفوض قطعا أن تستمر ظاهرة الهبوط بالبراشوت لتولي المناصب القيادية وتعيين المستشارين دون قواعد وأسس واضحة وتنافس شريف.
والحديث في الموضوع وقد لمسنا تنامي هذه الظاهرة في عهد الحكومة الحالية وزاد الطين بلات وليس بلة واحدة وجود هيئات حكومية يحظى رئيسها بصلاحيات تتجاوز صلاحيات مجلس الوزراء الذي يتخذ قراراته بهذا الشأن بناء على تنسيب الوزير المعني وقد سمعنا مؤخراً أن مدير هيئة رسمية قرر تعيين خريح جديد مديرا لمديرية دون الاعلان عن الوظيفة والحكايات هنا تطول وتطول ليبرز سؤال محدد… هل دولة الرئيس يدري ؟ فإن كان لا يدري فتلكَ مصيبةٌ … وإن كان لا يدري فالمصيبةُ أعظمُ
في عالم الإدارة والاقتصاد، تمثل الكفاءة والعدالة الحجر الأساس لبناء مؤسسات قوية وقادرة على البقاء إلا أن ظاهرة “التعيينات بالبراشوت” وهي التعيينات التي هبطت من الأعلى خارج الأسس والمعايير المهنية والقانونية تأتي لتضرب هذه القواعد في مقتل، متحولة من مجرد استثناء عابر إلى مرض إداري ونوع من الفساد الذي يهدد استقرار البيئات الوظيفية .
المقصود بـ “التعيين بالبراشوت” هو تجاوز السلم الوظيفي وآليات التنافس الشريف، وفرض أشخاص في مناصب قيادية أو وظائف مميزة بناءً على الولاءات الشخصية، صلات القرابة، أو المصالح المتبادلة (المحسوبية) وقد يذهب البعض بالتفسير أكثر من ذلك ( بيع وشراء) .
مثل هؤلاء الأشخاص يهبطون فجأة على الهيكل الإداري دون أن يمروا بالمراحل الطبيعية للترقي، ودون أن يمتلكوا بالضرورة المؤهلات التي تؤهلهم لقيادة من هم أعلم منهم وأكثر خبرة.
إن الالتفاف على الأنظمة والتعليمات في التعيينات لا يتوقف ضرره عند الشخص غير المناسب فحسب، بل يمتد ليشمل المؤسسة بأكملها وعندما يرى الموظف المجتهد أن سنوات خبرته وتميزه في العمل لم تشفع له أمام “هابط بالبراشوت”، يصاب بالإحباط والإنكفاء، مما يؤدي إلى تراجع الإنتاجية وغياب الإبداع.
كما أن المؤسسة تفقد هيبتها واحترامها في عيون أبنائها، ويتحول ولاء الموظف من السعي لتطوير العمل إلى السعي لاسترضاء أصحاب النفوذ. فيما تصاب بالشلل القيادات غير المؤهلة التي تأتي بالواسطة كونها بشكل عام تفتقر للرؤية والشجاعة في اتخاذ القرارات المصيرية، وتعتمد إما على التخبط أو على تسيير الأعمال بالحد الأدنى خوفاً من كشف ضعفها المعرفي.
والكفاءات الحقيقية لا تقبل العيش في بيئات عمل غير عادلة، وستبحث سريعاً عن الفرص التي تقدر قيمتها، مما يفرغ المؤسسة من كوادرها الأساسية ويؤدي إلى هجرة العقول والكفاءات.
والتعيين خارج أسس الجدارة ليس مجرد خلل إداري، بل هو انتهاك صارخ للعدالة الاجتماعية كونه يحرم الشباب الطموح والخريجين المتفوقين من فرصهم المشروعة ويكرس مبدأ أن “العلاقات أصلح من الكفاءة”، مما يبث حالة من الإحباط واليأس في صفوف الجيل الجديد ويدفعهم نحو العزوف عن العطاء أو التفكير في الهجرة.
وعلاج ظاهرة التعيينات بالبراشوت يتطلب إرادة حقيقية لـ الإصلاح الإداري عبر مسارات واضحة أهمها إخضاع كافة التعيينات، خاصة القيادية منها، لجان محايدة ومستقلة تعتمد المقابلات والامتحانات التنافسية المعلنة. وتفعيل دور ديوان الخدمة وهيئات مكافحة الفساد للتدقيق في قرارات التعيين والترقية ومحاسبة المتجاوزين وربط البقاء في المنصب بالإنتاجية وتحقيق الأهداف (KPIs)، فالشخص الذي يهبط بالبراشوت يجب أن يرحل سريعاً إذا عجز عن إثبات جدارته المهنية.
المؤسسات الناجحة تُبنى على أكتاف أهل الكفاءة لا أهل الثقة وعلاقات القرابة والاستمرار في سياسة التعيين بالبراشوت هو بمثابة استنزاف لمقدرات الأوطان وتدمير لمستقبلها.
فهل حان الوقت لتأصيل مبدأ “الرجل المناسب في المكان المناسب” كتشريع ملزم لا كشعار يُرفع في المناسبات
