منبر الكلمة

المرأة والديمقراطية داخل الأحزاب الأردنية

بقلم: الدكتورة يسرى ردايدة
أستاذة العلوم السياسية
مساعدة الأمين العام لحزب القدوة الأردني

تشكل الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية إحدى الركائز الأساسية للنظم السياسية الحديثة التي تسعى إلى تحقيق التمثيل الحقيقي لمختلف فئات المجتمع. فالأحزاب السياسية ليست مجرد أطر تنظيمية، بل هي مدارس سياسية تُصاغ داخلها الأفكار والبرامج، وتُبنى من خلالها القيادات القادرة على إدارة الشأن العام وصناعة القرار.
ومن هذا المنطلق، فإن مستوى الديمقراطية داخل الأحزاب يعد مؤشرًا مهمًا على نضج الحياة السياسية في أي دولة. فكلما كانت الممارسات الديمقراطية داخل الحزب أكثر شفافية ومشاركة، كلما انعكس ذلك إيجابًا على أدائه السياسي وعلى ثقة المجتمع به.
وفي الأردن، شهدت الحياة الحزبية خلال السنوات الأخيرة تحولات مهمة في إطار مسار التحديث السياسي، الذي يهدف إلى تعزيز دور الأحزاب في الحياة العامة وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في صنع القرار. وقد جاءت هذه الإصلاحات لتؤكد أن الأحزاب السياسية تمثل حجر الزاوية في تطوير العمل البرلماني وتعزيز المسار الديمقراطي في المملكة.
غير أن نجاح الأحزاب في أداء هذا الدور يتطلب ترسيخ الديمقراطية داخل بنيتها التنظيمية، من خلال توفير آليات واضحة وشفافة للمشاركة في اتخاذ القرار، مثل انتخاب القيادات الحزبية بطريقة نزيهة، وتداول المواقع القيادية، وإتاحة المجال أمام الأعضاء للتعبير عن آرائهم والمشاركة في صياغة البرامج والسياسات. فالحزب الذي يمارس الديمقراطية داخليًا يكون أكثر قدرة على إقناع المجتمع ببرامجه ورؤاه.
وفي التجربة الأردنية، يمكن ملاحظة أن عددًا من الأحزاب بدأ يخطو خطوات إيجابية نحو ترسيخ الممارسة الديمقراطية الداخلية، من خلال عقد المؤتمرات الحزبية الدورية وإجراء الانتخابات القيادية عبر صناديق الاقتراع. ومع ذلك، لا تزال بعض التحديات قائمة، مثل محدودية مشاركة القواعد الحزبية في صنع القرار، وتركز بعض الصلاحيات في أيدي عدد محدود من القيادات، إضافة إلى ضعف الثقافة الحزبية لدى بعض فئات المجتمع.
وتبرز في هذا السياق قضية تمكين المرأة باعتبارها من أهم مؤشرات التطور الديمقراطي داخل الأحزاب السياسية. فالمرأة تمثل نصف المجتمع، ومشاركتها في الحياة السياسية ليست مجرد مطلب اجتماعي، بل ضرورة سياسية وتنموية لضمان تمثيل متوازن يعكس تنوع المجتمع.
وقد حقق الأردن خلال العقود الماضية تقدمًا ملموسًا في تعزيز مشاركة المرأة في الحياة العامة، سواء في البرلمان أو المجالس المحلية أو مؤسسات المجتمع المدني. غير أن مشاركة المرأة داخل الأحزاب السياسية ما تزال دون المستوى المأمول في بعض الحالات، حيث لا تزال نسبة النساء في المواقع القيادية الحزبية محدودة مقارنة بالرجال، رغم وجود كفاءات نسائية قادرة على الإسهام بفاعلية في العمل السياسي وصنع القرار.
ويعود ذلك إلى جملة من التحديات الاجتماعية والثقافية، إضافة إلى محدودية البرامج المؤسسية التي تستهدف تطوير القيادات النسائية داخل بعض الأحزاب. الأمر الذي يستدعي تبني سياسات حزبية أكثر وضوحًا في دعم مشاركة المرأة وتمكينها من الوصول إلى مواقع القيادة.
إن تمكين المرأة داخل الأحزاب لا يقتصر على زيادة عدد المشاركات في العمل الحزبي، بل يتطلب أيضًا توفير برامج تدريبية وتأهيلية تعزز قدراتهن القيادية والسياسية، وتتيح لهن فرصًا حقيقية للمشاركة في صياغة البرامج والسياسات الحزبية.
وفي هذا الإطار، فإن الأحزاب السياسية مطالبة اليوم بأن تقدم نموذجًا متقدمًا في العدالة والمساواة داخل بنيتها التنظيمية، وأن تفتح المجال أمام المرأة للمشاركة الفاعلة في مختلف الهيئات القيادية واللجان الحزبية، بما يعكس روح الديمقراطية التي تنادي بها.
وفي ضوء مسار التحديث السياسي الذي تشهده المملكة، فإن تعزيز الديمقراطية داخل الأحزاب وتمكين المرأة من المشاركة الفاعلة يشكلان عنصرين أساسيين في بناء حياة سياسية أكثر نضجًا واستقرارًا. فنجاح تجربة العمل الحزبي في الأردن لن يقاس بعدد الأحزاب فقط، بل بقدرتها على تجديد قياداتها، وتوسيع قاعدة المشاركة داخلها، وتمكين الشباب والمرأة من الإسهام الحقيقي في صنع القرار.
ومن هنا، فإن مستقبل الحياة الحزبية في الأردن يرتبط بمدى قدرة الأحزاب على التحول إلى مؤسسات سياسية ديمقراطية حقيقية، تعكس تطلعات المجتمع وتستجيب لمتطلبات الإصلاح السياسي. وعندما تتمكن الأحزاب من تحقيق ذلك، فإنها ستسهم بشكل فاعل في ترسيخ الديمقراطية وتعزيز المشاركة السياسية، وبناء دولة المؤسسات والقانون التي تقوم على الشراكة بين جميع أبناء الوطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى