QFEX 2026
منبر الكلمة

المرأة بين التاريخ والعادات والتقاليد

كتبت: منى توفيق عثامنه

منذ بداية الخليقة، كانت المرأة شريكة أساسية في عمارة الأرض واستمرار الحياة؛ فالإنسانية قامت على شراكة آدم وحواء، وعلى تكامل الرجل والمرأة في بناء الأسرة والمجتمع واستمرار الأجيال.

فالمرأة ليست في معركة مع الرجل، ولا تلهث خلفه لتثبت أنها مساوية له، بل هي شريكة له في الحياة، تقوم بدورها الذي فطرتها عليه، وتدير وتدبّر، وتمتلك الخبرة والحكمة والرأي، كما يمتلك الرجل أدواره ومسؤولياته.

والرجل يدعم ويحمي ويصون، والمرأة تعطف وتحتوي وتفكر وتصبر وتقاوم معه متغيرات الحياة، وكلاهما يشارك في مواجهة التحديات، كلٌّ بما يملك من قدرات ومسؤوليات.

ولنا في مريم بنت عمران مثال خالد؛ فقد كرّم القرآن أمها، وذكر نذرها لله، ثم تحدّث عن مريم التي تقبّلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتًا حسنًا، وجعل زكريا عليه السلام كافلًا لها، وكان يجد عندها رزقًا في محرابها. ثم اصطفاها الله وكرّمها، وجعل في قصتها آية عظيمة للناس.

وفي تاريخ الأنبياء والرسالات نماذج أخرى لنساء حملن الإيمان والمسؤولية والصبر؛ فأم موسى عليه السلام واجهت خوفًا عظيمًا بإيمان وثقة بالله، وأخته تابعت أخباره حتى قادت إلى الطريق الذي أعاد الطفل إلى أمه. وآسية امرأة فرعون كانت مثالًا للإيمان والثبات في مواجهة الطغيان.

وفي السيرة النبوية العطرة نجد أنّ أول من آمن برسالة محمد عليه الصلاة والسلام من الناس هي خديجة بنت خويلد رضي الله عنها التي وقفت نموذجًا للمرأة التي ساندت زوجها في أشد لحظات المحنة، وكانت صاحبة مال وتجارة، ووقفت إلى جانب رسول الله ﷺ وآزرته في بداية الدعوة.

كما حفظ التاريخ الإسلامي للنساء أدوارًا متعددة في العلم والرواية والتعليم والمشاركة الاجتماعية؛ فكانت النساء راويات للحديث، ومشاركات في الهجرة، ومداويات للجرحى، وساقيات للماء، وحاضرات في ميادين الشدائد.

ومن النماذج المشهودة صفية بنت عبدالمطلب، وأم عمارة التي عُرفت بشجاعتها في أُحد، ورفيدة الأسلمية التي ارتبط اسمها برعاية الجرحى، وأسماء ذات النطاقين، وفاطمة الزهراء رضي الله عنها، وحفصة بنت عمر التي حفظت الصحف التي جُمع فيها القرآن بعد وفاة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

إن تاريخ المرأة العربية المسلمة زاخر بالمجد والإنجاز والعلم والتضحية، ولذلك لا ينبغي أن تحكمنا عادات وتقاليد بالية حين تتعارض مع قيم الدين ومع حقيقة أن الرجل والمرأة شريكان في بناء الحياة.

فالعقل البشري ليس حكرًا على جنس دون آخر، والمرأة تتعلم وتتخصص في الجامعات، وتدخل ميادين العلم والمعرفة والمهن المختلفة، فهي المحامية والقاضية والمعلمة والطبيبة والمهندسة والبرلمانية، وتستطيع أن تؤدي أدوارًا متعددة بكفاءة واقتدار.

والمرأة لم تُخلق للدلال وحده، ولا لدور محدود داخل البيت؛ فقد تكون شريكة في الإنفاق، وتتحمل مسؤوليات أسرتها حين تعمل، وكم من رجل ابتُلي بالعجز أو المرض أو ضيق الحال، فكانت زوجته سندًا له، وحملت عنه وعن بيتها وأولادها، وسعت داخل البيت وخارجه.

ومن هنا فإن مشاركة المرأة في الجاهات العشائرية والاجتماعية ليست أمرًا عجيباً ولا مخالفا للقيم ، بل يمكن أن تكون مشاركة مهمة إذا قامت على الكفاءة والحكمة، ولم تكن مجرد حضور شكلي.

فكثير من القضايا الاجتماعية تمس النساء بصورة مباشرة، وألم المرأة قد تفهمه امرأة حكيمة راشدة، عطوفة، خبيرة، خلوقة، مؤمنة، قادرة على الإصغاء والنصح وتهدئة النفوس.

فالجاهات في الخطبة والزواج عرف اجتماعي طيب، يجمع الناس على المحبة والتكريم والتهنئة، وإن بدا في بعض الأحيان مظهرًا اجتماعيًا، فإنه يحمل في جوهره معنى الاحترام والتقدير.

أما الجاهات التي تتجه إلى إصلاح ذات البين، وتهدئة النفوس، وإطفاء نيران الغضب في الحوادث المؤسفة والجرائم والخلافات الأسرية والاجتماعية، فإن حضور النساء فيها يمكن أن يكون أكثر من ضرورة؛ لأن خطاب المرأة للمرأة الموجوعة قد يفتح بابًا للطمأنينة، ويمنحها مساحة للتعبير، ويعينها على رؤية الأمور من زاوية أكثر هدوءًا.

وإذا شاركت المرأة في جاهة اجتماعية، فليكن لها دور حقيقي؛ كأن تتوجه إلى النساء خاصّةً بالنصح والتوجيه، والتفهّم وتوصي العروس بأهمية بناء البيت على المشاركة والتعاون والحكمة والوفاء وحفظ أسرار الحياة الزوجية،

فالأسرة هي أحد أهم أركان المجتمع، وإذا صلحت الأسرة صلح جانب كبير من المجتمع.

وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول المرأة إلى مادة للسخرية في النكات، ولا أن تُختزل في المطبخ، ولا أن تُخاطب دائمًا بأسماء الدلع وكأنها كائن بلا عقل أو رأي أو مسؤولية.

إن المرأة، إذا أحسنت استخدام قدرتها ووعيها، يمكن أن تكون سببًا في السعادة والاستقرار، كما أن سوء الاختيار وسوء التصرف من أي طرف، رجلًا كان أو امرأة، قد يحول الحياة إلى تعب ومعاناة.

لذلك فإن الهجوم على المرأة، وحصرها في قالب ضيق تصنعه بعض العادات والتقاليد، قد يجعلها تشعر بالانتقاص والتحقير، وقد يدفعها إلى التمرد أو السخط أو رفض الواقع بدل إصلاحه.

وقبل أن نكرر عبارات تُحمّل المرأة وحدها مسؤولية نجاح الزواج، علينا أن نذكّر الزوج أولًا بأن الزواج آية من آيات الله، وأن أساسه المودة والرحمة والسكن، كما قال تعالى:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.

فارفقوا بالقوارير، وأحسنوا صحبة الأمهات؛ فقد جاء في الحديث الصحيح حين سُئل النبي ﷺ عن أحق الناس بحسن الصحبة فقال: «أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك».

إن النظرة الثاقبة إلى دور المرأة لا تكون بإقصائها، ولا بمنحها دورًا شكليًا لمجرد إثبات المشاركة، وإنما بتأهيل المرأة القادرة حقًا على تحليل المشكلات الاجتماعية، وفهم أبعادها النفسية، وتقدير آثارها، والمساهمة في حلها بحكمة واتزان.

وفي خلاصة الفكرة: كما أن ليس كل رجل مؤهلًا للقيام بالمهام المتعلقة بقضايا المجتمع، فكذلك ليست كل امرأة مؤهلة لهذه المهمة.

فالمطلوب ليس أن تكون المرأة حاضرة لمجرد الحضور، وإنما أن تكون حاضرة بالعلم والخبرة والحكمة والكفاءة.

فالمرأة ليست ضد الرجل، والرجل ليس ضد المرأة؛ إنهما شريكان في الحياة، وكلما احترم المجتمع إنسانية المرأة، وقدّر كفاءتها، ووضعها في المكان الذي تستحقه، بعيدًا عن العادات البالية وبعيدًا أيضًا عن الشعارات الشكلية، كانت أكثر قدرة على بناء أسرة متماسكة ومجتمع أكثر وعيًا واتزانًا.

زر الذهاب إلى الأعلى