منبر الكلمة

اللجوء الى “ذاكرة المكان”…رحلة البحث عن الحنين ، والحديث مع الجدران .؟

 

عدنان نصار

(إلى العزيز البروفسور د.نبيل حداد)..أستأذنك بالتفكير بصوت مسموع ..وحنين لا بجد معه الصمت..!

غالبا ما يحن الإنسان الى ذاكرة المكان ، فيجد ربما في زوايا الأمكنة العتيقة حكايات كانت الذاكرة قد خبئتها ، وأغلقت عليها الأبواب بإحكام كي لا تتناثر ، أو تضيع مع عوامل “التعرية” في زمن صار فيه الحديث مع الذات سرا ، وربما يتعدى العلن بشكل يخضع لمراقبة ذاتية ، كي لا يتهم المتحدث مع الذاكرة بالجنون ..، هي أشياء تبدو من السهل الممتنع ..تقفز في ذاكرتك مثل فراشات تتطاير ثم تغفو ، او مثل عصفور يحط على كتفك ويرغمك على الذهاب الى هنااااك ،حيث الذاكرة الحاضرة التي لا تغيب .!

بعضنا ، وهذا أمر واقع ينسج الذكريات بين جدار عتيق وسقف تحمله 4 جسور من الحديد التي تأخذ شكل ال (H) لتسند قصيب السقف وترابه .. وللإنصاف نجد البعض الآخر يتبختر بين حجر وساحة.. بين نافذة من خشب تطل على دار الجيران التي يفصلها عنه شارع ضيق ، استحدثه المجلس البلدي صدفة في حيينا الشعبي لإعتبارات قيل عنها إنها “مرضوة للمختار” ..هكذا قالت :”أم العبد” وهي تعبر الدرج القديم الذي يعجّ بالخطى القديمة..

للمكان ذاكرة ، تماما مثل ذاكرة الإنسان ، فهي تزعل وتفرح وتضحك وتبكي ، وحين تفتقد الأحبة ترى الذاكرة المكانية “تحط اليد ع.الخد” وتبدو مثل “قاروطة” فقدت أبويها وهي في سن الصبا ..،ماذا لو نطقت الحيطان بلسان مسموع ، فهل تحكي عن أسرارنا ..لا أظن ذلك ، فالحيطان التي قيل لنا عنها أن لها “آذان” ، تبدو أكثر مهابة غالبا ، من إذن الإنسان ، فهي إذن ذاكرة تنسج الحكاية بإحتراف وبراعة ، تضعنا في زاوية يصعب الفكاك منها ، وإن حاولت.؟!

حتى تبدو الصورة أكثر وضوحا ، تأسرني اربد القديمة ، وتأسرني طرقاتها التي تخبيء الكثير ..الكثير ، في زمن الشيد والقرميد، هي مدينة وإن فقدنا بعضا من جوانبها العتيقة ، لكن لم نفقد ما تبقى من ذاكرتها القديمة ..فهي حاضرة فينا وساكنة ..يحدث ، ان تسكن الأمكنة فيك ، ويحدث أن تأخذ معك ذاكرة قرية ، مخيم ، مدينة ..لا بل ذاكرة وطن بأكمله حين تهم بالسفر ، فأي شوق هذا الذي يجعلنا “نتئلب على جمر النار” ، وأي قيمة نبيلة تلك التي تجعلنا نردد في حضرة المكان :” الحب كله نعييييم ، لا في عدول بلوم ولا في حبيب محروم” ..هل إستنهاض الذاكرة لإبنة الجيران دفعنا الى أغنية سمعناها ذات صيف ونحن نعبر الطريق ، أم الذاكرة تناغشنا لإستحضار المشهد ..؟! نعم ، يبدو أن الحنين قادنا الى الحائط الذي إتكئنا عليه ذات مساء ..وقتها كان سن الصبا يقودنا الى الشباب المبكر ، كنا وقتها نسرح “الكوكو” ولكي يضفي أناقة كان لا بد من “بريل كريم ” في الحنجور الأحمر ..كان الشعر وقتها أكثر لمعانا ، وأغزر حضورا ، مما يعني أنه عاملا مساعدا لنكون أكثر بهاءا في حضرة المشهد ..، في وقت كانت فيه ابنة الجيران تلقي نظرة خجولة قبل أن نصل لمنعطف الطريق ..،ربما كانت مثلنا تبني حلمها القادم .!

هي حكايات يا صاحبي ، لا تنسى ، وذاكرة لا تغيب ..فالمدينة العتيقة بكل تفاصيلها حاضرة ، في ذاكرتنا ، في شخصياتنا الجوانية ، هي أشياء عصية على النسيان ..! (إربد) ، يا مدينة الصابرين وذاكرة الحالمين ..يا أيتها العصية على التدجين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى