منبر الكلمة

القوة لا تعني الخلود والسيطرة لا تعني النجاة

عمان-الاردن
٢٠٢٦/٣/٢
القس سامر عازر

في تاريخ الشعوب والأفراد، تتكرّر الحكاية ذاتها وإن اختلفت الأسماء والوجوه: قوة تتضخم حتى تظن نفسها قدراً، وسلطة تتمدّد حتى تظن أنها أبدية، ثم لحظة انكسار تكشف أن ما بُني على وهم التفوّق لا يصمد أمام سنن الحياة.

لم يسقط نمرود لأنه كان ضعيفاً، بل لأنه صدّق أنه فوق السنن. حين توهّم أنه يملك مفاتيح الحياة والموت، وأن السماء يمكن أن تُنازَع، كان في الحقيقة قد بدأ رحلة السقوط. فالمشكلة ليست في امتلاك القوة، بل في عبادة القوة. ليست في السلطة، بل في تقديس الذات.

إن أخطر لحظة على أي نمرود هي اللحظة التي يظن فيها أنه انتصر. فالانتصار الحقيقي لا يُقاس بكمّ ما نسيطر عليه، بل بقدر ما ننتصر على ذواتنا، على غرورنا، على نزعتنا إلى التألّه. عندما تتحول القوة إلى نشوة، والنشوة إلى عمى، يصبح السقوط مسألة وقت.

التاريخ الإنساني شاهد صامت وناطق في آنٍ واحد. من الإمبراطورية الرومانية إلى الاتحاد السوفيتي، ومن عروش طغاة الشرق والغرب إلى أنظمة ظنت أنها صنعت قدراً جديداً للبشرية، تتكرر الحقيقة ذاتها: لا خلود إلا لله، ولا ديمومة إلا للقيم. سقطت إمبراطوريات لم تكن تفتقر إلى الجيوش ولا إلى المال، لكنها افتقرت إلى التواضع، وإلى العدالة، وإلى الإصغاء لصرخة الإنسان البسيط.

القوة التي لا يضبطها الضمير تتحول إلى أداة هدم. والسيطرة التي لا يرافقها وعي أخلاقي تتحول إلى لعنة على صاحبها قبل أن تكون نقمة على الآخرين. كم من مشروع بدأ بشعار الأمن والاستقرار وانتهى بالخوف والاضطراب! وكم من قائد صعد على أكتاف الجماهير ثم لم يحتمل صوت النقد، فاستبدل الشراكة بالقمع، والحوار بالإملاء.

الغرور هو بداية السقوط، لأنه يعزل الإنسان عن الحقيقة. والمتغطرس لا يسمع إلا صدى صوته، ولا يرى إلا صورته في مرآةٍ صنعها بيديه. وحين يغيب النقد، وتُقصى الحكمة، ويُحاصر العقلاء، يبدأ العدّ التنازلي للانهيار.

في البعد الروحي، تعلّمنا النصوص المقدسة أن الله لا ينافس الإنسان على قوته، بل يذكّره بحدوده. الإنسان مدعو إلى العمل والبناء والإبداع، لكنه مدعو أيضاً إلى التواضع. فمن ينسَ أنه تراب، يوشك أن يتحول إلى غبار تذروه الرياح. ومن ينسَ أن السلطة أمانة، يحوّلها إلى دينونة على نفسه.

أما في البعد الإنساني، فالقوة الحقيقية ليست في إخضاع الآخر، بل في صون كرامته. ليست في إسكات الصوت المختلف، بل في احتضانه ضمن إطار العدالة. ليست في فرض الهيمنة، بل في بناء الثقة. فالعالم اليوم لا يحتاج مزيداً من المتغلبين، بل مزيداً من الحكماء. لا يحتاج إلى سباق تسلّح بقدر ما يحتاج إلى سباق نحو الرحمة.

وفي البعد العالمي، تتجلى خطورة الغرور حين تمتلكه دول كبرى أو قوى عظمى. إذ يكفي قرار متعجرف، أو حساب خاطئ، ليُدفع ثمنه من دماء الأبرياء وأرزاق الشعوب. حين يظن الأقوياء أنهم فوق القانون الدولي، أو فوق الضمير الإنساني، فإنهم يزرعون بذور عدم الاستقرار الذي سيطالهم عاجلاً أم آجلاً. فالسنن لا تحابي أحداً، والتاريخ لا يمنح حصانة دائمة.

القوة وسيلة، وليست غاية. والسيطرة اختبار، وليست امتيازاً أبدياً. والنجاة لا تُشترى بالبطش، بل تُبنى بالعدل. إن أعظم انتصار يمكن أن يحققه إنسان أو أمة هو أن تبقى إنسانيتها حيّة وهي في ذروة قوتها.
فلنحذر لحظة النشوة التي توهمنا أننا بلغنا القمة النهائية. فالقمة ليست مكاناً دائماً، بل مسؤولية ثقيلة. ومن لا يتواضع في صعوده، سيتعلم التواضع في سقوطه.

القوة لا تعني الخلود، والسيطرة لا تعني النجاة. وحدها القيم، وحدها العدالة، وحده التواضع، هي ما يمنح الإنسان معنىً يبقى بعد أن تزول الألقاب، وتخفت الأضواء، وتسكت الهتافات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى