منبر الكلمة

الفاقد الكهربائي… حين يدفع الملتزم ثمن التقصير والاعتداء

بقلم: إياد عبد الفتاح النجار
كاتب وباحث في الشأن العام
الأمين العام لحزب القدوة الأردني

يُعد ملف الفاقد الكهربائي من أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا على العدالة الاقتصادية والاجتماعية، لا بسبب وجود الفاقد بحد ذاته، بل بسبب التسليم الضمني بأن المواطن مُلزَم بتحمّل كلفته، وبسبب غياب أي قدرة حقيقية لديه على الاعتراض أو الاختيار في ظل واقع احتكاري مفروض عليه.
ينقسم الفاقد الكهربائي، من حيث التصنيف الفني، إلى فاقد فني ناتج عن طبيعة الشبكات والبنية التحتية، وفاقد غير فني ناتج عن العبث والسرقات وأخطاء الإدارة. غير أن هذا التقسيم الفني لا يعني، لا قانونًا ولا عدالةً، أن يتحمل المواطن كلفة أيٍّ من هذين النوعين لمجرد كونه الطرف الأضعف في معادلة الخدمة.
فالقول إن الفاقد الفني “واقع لا مفر منه” لا يبرر تحميله للمستهلك النهائي. فشركات الكهرباء تعمل في إطار امتياز أو احتكار منظم، وتتمتع بسوق مضمونة وزبائن ملزمين بالخدمة دون وجود بدائل أو منافسة، وهو ما يفرض عليها، من حيث المبدأ، تحمّل مخاطر التشغيل والهدر الفني ضمن نموذجها الاقتصادي، لا نقلها تلقائيًا إلى فاتورة المواطن.
أما الفاقد غير الفني، الناتج عن السرقات والاعتداء على الشبكة، فهو مسؤولية مباشرة للشركات من حيث الرقابة والتفتيش وإنفاذ القانون، وقد عالجته التشريعات بفرض غرامات مالية وعقوبات صارمة تعود إيراداتها لصالح شركات الكهرباء نفسها. وبالتالي، فإن تحميل المواطن الملتزم كلفة هذا الفاقد يُعد إخلالًا صريحًا بمبدأ العدالة، وتحميلًا للضحية تبعات جريمة لم يرتكبها.
وتزداد الإشكالية تعقيدًا عندما يتم كل ذلك في ظل احتكار فعلي للخدمة، حيث لا يملك المواطن حق الاختيار أو التفاوض أو الانتقال إلى مزود آخر. فالمشترك مُلزَم قانونًا بخدمة شركة واحدة، ومُلزَم بشروطها، ومُلزَم بدفع الفاتورة وفق التعرفة التي تُقرّها، دون أن يكون له أي دور حقيقي في مناقشة مكوناتها أو الاعتراض على تحميله كلفًا لا يد له فيها.
إن هذا الواقع الاحتكاري يُحوِّل العلاقة بين الشركة والمواطن من علاقة خدمة إلى علاقة فرض، ويجعل تمرير الفاقد، ورفع التعرفة، وتوسيع الكلف، قرارات أحادية يتحمل المواطن نتائجها دون شراكة أو حماية كافية.
الإشكال الأكبر أن تمرير الفاقد، في ظل الاحتكار، يُفرغ مفهوم “التعرفة العادلة” من مضمونه، ويحوّل المواطن إلى ممول دائم لكل أوجه الخلل، من تقادم الشبكات، إلى ضعف الاستثمار، إلى التقصير الإداري، دون وجود أدوات رقابة شعبية أو سوقية حقيقية.
إن العدالة تقتضي ألا تُفرض أي كلفة على المواطن إلا مقابل خدمة فعلية ومُبرّرة، وألا يُستخدم الاحتكار كغطاء لتحميله مخاطر التشغيل أو نتائج التقصير الإداري. كما تقتضي إعادة النظر في فلسفة تنظيم القطاع، بما يضمن توازنًا حقيقيًا بين استدامة الشركات وحقوق المستهلكين.
وخلاصة القول، إن الفاقد الكهربائي، مهما كانت أسبابه، لا يجوز التعامل معه كأمر واقع يدفع ثمنه المواطن الملتزم، خاصة في ظل احتكار يجرّده من حق الاختيار. فالخدمة العامة العادلة لا تقوم على الإلزام بلا مساءلة، ولا على الاحتكار بلا عدالة، بل على إدارة كفؤة، وتنظيم منصف، ومساءلة حقيقية تحمي المواطن كما تحمي استدامة القطاع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى