العمل الحزبي والتنسيق المؤسسي: رسالة ملكية في توقيت مفصلي

بقلم: إياد عبد الفتاح النجار
كاتب وباحث في الشأن العام
الأمين العام لحزب القدوة الأردني
يأتي لقاء جلالة الملك عبدالله الثاني بأعضاء المكتب الدائم لمجلس النواب في توقيت بالغ الدلالة، ليؤكد مجددًا أن مسار التحديث السياسي في الأردن لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل أولوية وطنية تتطلب ترجمة عملية على مستوى الأداء البرلماني والحزبي والمؤسسي.
وأن تأكيد جلالته على أهمية مواصلة تطوير آليات العمل الحزبي يعكس إدراكًا عميقًا بأن الأحزاب لم تعد مجرد أطر تنظيمية، بل يجب أن تتحول إلى أدوات فاعلة في إنتاج السياسات العامة، وصناعة القرار، ومساءلة الأداء التنفيذي ضمن قواعد العمل الديمقراطي الرشيد. فالعمل الحزبي الحقيقي لا يُقاس بعدد الأحزاب، بل بقدرتها على تمثيل مصالح المجتمع، وتقديم برامج واقعية، والمشاركة المسؤولة في الحياة البرلمانية.
كما أن التشديد على استمرار التنسيق بين مجلسي النواب والأعيان والحكومة يحمل رسالة واضحة مفادها أن نجاح الدولة في مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية مرهون بتكامل الأدوار بين السلطات الدستورية، لا بتنازعها. فالتنسيق المؤسسي هو الضامن لسلامة التشريع، وجودة الرقابة، وفعالية السياسات العامة، وهو المدخل الطبيعي لتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
المرحلة المقبلة تتطلب من مجلس النواب، خاصة في ظل قانوني الأحزاب والانتخاب الجديدين، أن يطور أدوات عمله الداخلية، وأن يعيد تعريف العلاقة بين الكتل النيابية والأحزاب، بحيث تصبح البرامج لا الأشخاص هي محور العمل السياسي. كما تتطلب من الحكومة التعامل مع البرلمان بوصفه شريكًا دستوريًا في صناعة القرار، لا مجرد جهة تمرير تشريعي.
إن الرسالة الملكية في هذا اللقاء لا يمكن قراءتها بمعزل عن مشروع الدولة الأردنية في الانتقال التدريجي نحو حكومات برلمانية حزبية، قائمة على التعددية والمسؤولية والمساءلة. وهي رسالة موجهة للجميع: أحزابًا، وبرلمانًا، وحكومة، مفادها أن المصلحة العامة هي البوصلة، وأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من داخل المؤسسات، عبر عمل منظم، منسق، ومسؤول.
وفي ظل التحديات الإقليمية والضغوط الاقتصادية، يبقى الرهان الأكبر على وعي النخب السياسية وقدرتها على الارتقاء إلى مستوى هذه اللحظة التاريخية، وترجمة التوجيهات الملكية إلى ممارسات سياسية وتشريعية تعزز الاستقرار، وتفتح آفاق الأمل أمام الأردنيين، خاصة فئة الشباب.



