
العروبةُ لا تتجزّأ، ولا البلاد تُبنى بالخرز والخيوط
كتبت: منى توفيق عثامنه
أن تكون عربيًّا، فهذه هي الهويّة التي تجمعك بأشقّائك من المحيط إلى الخليج؛ وحدةُ الدم، والجدّ، والدين، واللسان. فالليل لا يعني موت النهار، ولا النهار يطارد الليل؛ نحن أمّةٌ لا شبيه لها، جذورها ثابتة في الأرض، وفروعها تصافح غيم السماء.
فلا اختلاف بيننا، ولا خِلاف؛ أمّا وساوس التفرقة التي تنفّر العربي من أخيه العربي، بالتباهي بما نطهو، وما نلبس، وما نمتلك من نعيم الله، فما هي إلا أساليب خبيثة تُراد بها صناعة المسافات بين أبناء البيت الواحد.
فلا فضل لعربيٍّ على عربيٍّ إلا بالتقوى، ولا يغيّر اختلاف اللهجات أو العادات أو الأزياء حقيقة الانتماء المشترك. فالإنسان هو الإنسان، ما دامت الحدود تنظّم حقوقنا، ولا تنكر أصلنا، وتضبط مهامّنا وسلوكنا وطموحنا.
وترتعش القلوب حين تبدأ المقارنة بالموروثات والعادات اليومية التي صنعتها الظروف، وشكّلتها الطبيعة الجغرافية وتنوّع البيئات.
فالثوب العربي تحكمه مواصفات تتلاءم مع الدين والأخلاق والقيم، أمّا الزخارف والتطريز والكُلَف والخرز، فهي أذواق وتفاصيل استوحتها الشعوب من بيئاتها وتراثها.
فلا تتنافسوا في الطبخ واللباس، ولا تتناسوا التاريخ والقضايا الشائكة، ثم ترموها خلف خلافاتٍ مصطنعة تُشعلها كلمات عابرة.
لقد صنع بعض الناشطين جبالًا من ملح، وأقاموا أعمدةً من جرائد، ثم أشعلوا بها نيران الجدال العقيم.
إنّ الدم الذي في عروقنا حيٌّ لا يموت، ولا يدٌ تستطيع أن تمسك ظلال الوهم، ولا الظلال ترتدي ثيابًا مزخرفة.
ولا البلاد تُبنى من الثلج؛ غدًا سيذوب الثلج، وسيعي العربي أن عروبته لا تستقي دموع الحيرة، ولا ينبت زرعها بعبرات الندم.
فلا لون الشماغ يفرّقنا، ولا وصفات الطعام تحيّرنا.
نحن ملامح الأرض، وحكاية الشمس مصبوغةٌ على وجوهنا؛ نحن الجسد الذي يشدّ بعضه بعضًا، نحن الكل، والكل نحن، لا نتجزّأ. لون ماضينا مقروءٌ في ملامح حاضرنا، وغدًا سيعاتبنا كثيرًا حين يراجع يوميّاتنا، وتدهشه صورة الخداع البصري، حين يقف العالمُ في آخر طابور الأولويات خلف الجاهلين.
أسمعتم صوصًا يصيح فجرًا، وقرأتم عنوان قضية بين دولتين تتنازعان على بيضة ديك باضها على الحدّ بين البلدين؟
محكمةٌ انعقدت، وحكم القاضي على الديك بالسجن، فتولّى الصيصان شؤون القُنّ، أمّا الثعلب، ففاتَ في ذيله سبع لفّات!
وهكذا، حين ننشغل بالبيضة، قد ننسى الديك، وحين ننشغل بالديك، قد لا نرى الثعلب.
فلا تجعلوا من اختلاف المائدة واللباس معركةً، ولا تجعلوا من تنوّع التراث سببًا لتمزيق ما جمعه التاريخ، ولا تطلقوا العنان لسيوف مقارناتكم؛ فهي تبتر الخواطر، وتقطع شرايين الحقيقة.
نحن عرب، واختلافنا في التفاصيل لا ينبغي أن ينسينا وحدة الحكاية، ذلك لأنّ الفكرة العنصرية لا تنطبق علينا مهما توالت الفتن ، فالآخَرُ الذي بيننا ليس آخَرَنا؛ إنّه منّا، ونحن منه» .
