QFEX 2026
منبر الكلمة

السيناريوهات الأمريكية لإنقاذ البترودولار

حسن محمد الزبن

في ظل التغيرات الجيوسياسية نحن أمام الحدود بين العقوبات الاقتصادية والمصالح الوطنية التي تتكشف وفيها من عدم الوضوح ما لا يخفى، وتدركه كل الأطراف الإقليمية والدولية، ويعتبرالإعلان المفاجئ في 10 أكتوبر 2026 من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن اتفاقه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإعادة إمدادات الديزل الروسي إلى الأسواق الأمريكية والعالمية مثالا صارخا على هذا الأمر، يأتي هذا الاتفاق النفعي بتصريح استثنائي من وزارة الخزانة الأمريكية ممتدا حتى 7 أبريل 2027، بهدف ضبط التضخم المحلي ومواجهة النقص الحاد في الطاقة، وذلك في سياق الاستعداد لانتخابات التجديد النصفي المهمة.
هذه المحاولات الأمريكية لحصد استثناءات مؤقتة لاستيراد المشتقات النفطية الروسية تشير بوضوح إلى تعثر الولايات المتحدة كقطب أوحد، إذ باتت العقوبات المالية التقليدية تأتي بنتائج عكسية على واشنطن، مما يضطرها إلى تقديم تنازلات تكتيكية قد تضعف العقوبات الغربية، وتزيد من قوة موسكو الجيوسياسية، وفي خضم هذا المشهد المتناقض، يتضح أن أزمة الطاقة في عام 2026 كانت بمكانة محفز تاريخي أدى إلى تغييرات جوهرية في النظام النقدي واللوجستي العالمي، فالتحول من الاعتماد على المضايق البحرية الخطرة إلى خيارات بديلة مثل الممرات البرية والمناطق القطبية، مع بروز نواة “مؤشر أوبك- آسيا”، يشكل تحديا كبيرا لهيمنة البترودولار التي بدأت منذ اتفاقيات “بريتون وودز”. ومع ذلك، فإن نجاح هذا الانتقال متعدد الأقطاب ليس مجرد عملية سهلة، بل يعتبر مسارا معقدا يواجه الإنكار الأمريكي القوي، ويعتمد على سيناريوهات متعددة تهدف إلى تضييق الخناق على “الحلقات الضعيفة” في هذا التحالف الجديد، فالاتفاق أكثر من مجرد تفاهم شفهي، إذ ضُمن آلية تنفيذ واضحة ومحددة بجدول زمني دقيق، تهدف إلى معالجة المشكلة اللوجستية المتعلقة بالديزل العالمي، والكميات والجدول الزمني تتضمن توريد شحنات فورية عاجلة بكمية 300 ألف طن، تليها 500 ألف طن في شهر نوفمبر، ثم مليون طن متري بعد ذلك مباشرة، وهناك خطط مستقبلية للوصول إلى 3 ملايين طن بناءً على جاهزية مصافي التكرير الروسية، أما بالنسبة للتجميد القانوني للعقوبات، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية ترخيصًا استثنائيًا يجمد العقوبات على الديزل الروسي، مما يسمح ببيعه وتسليمه وتفريغه واستيراده حتى 7 أبريل 2027. إذن الأسباب والدوافع الاقتصادية والسياسية لكل من الطرفين تكمن في الآتي:
– الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب تواجه ضغوطاً سياسية كبيرة، حيث إن ارتفاع أسعار الوقود كان يشكل تهديداً لنتائج انتخابات التجديد النصفي. سعى ترامب إلى خفض الأسعار المرتفعة وامتصاص الضغوط الناجمة عن اضطرابات مضيق هرمز، وكذلك التأثير في كييف لوقف هجماتها بالطائرات المسيرة على المصافي الروسية، والتي كانت تؤثر في السوق العالمية.
– الجانب الروسي بقيادة بوتين استغل الاتفاق لتصفية مخزونها الفائض؛ بسبب الحظر الأوروبي والحصول على تدفقات نقدية بالدولار، إضافة إلى ذلك، نجحت موسكو في تحقيق اختراق دبلوماسي ساهم في تعميق الخلافات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين وأوكرانيا، حيث انتقد الرئيس الأوكراني زيلينسكي الصفقة بشدة، واصفاً إياها بأنها “هدية لبوتين”.
ولكسر التحالفات البديلة قان الرد الجيوسياسي الأمريكي الذي يمكن أن يتبناه ترامب وإدارته هو استخدام واشنطن ترسانتها النقدية والعسكرية لإحباط هذا التقارب الآسيوي-الشرق أوسطي، وتتوزع خططها على أربعة سيناريوهات بنيوية هي:
– السيناريو الأول: الهندسة النقدية القسرية أو عقوبات “سويفت” العكسية، وفي هذا السيناريو يُسْتَخْدَم نظام المقاصة العالمي (SWIFT) كأداة سياسية قسرية، بفرض عقوبات ثانوية صارمة على المؤسسات المالية الدولية التي تتجرأ على تسوية مبيعات الطاقة وفق نظام “مؤشر أوبك-آسيا” أو بالعملات المحلية، وهذا النهج يضع النظام المصرفي العالمي أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الامتثال الكامل للنظام القائم على الدولار الأمريكي، أو التعرض لعزلة مالية شاملة.
– السيناريو الثاني: المقايضة الأمنية المشروطة عبر تسييس الحماية العسكرية، حيث تستند واشنطن في هذا الإطار إلى التلاعب بعقود الحماية العسكرية التقليدية واستخدامها كأداة ضغط، استراتيجيتها في ذلك ربط مستوى الدعم الأمني واللوجستي وكذلك الغطاء الدفاعي للدول المنتجة للطاقة بمدى التزامها التاريخي بنظام البترودولار، ويُلَمَّح إلى أن أي خروج عن إطار التسعير بالدولار قد ينتج عنه سحب الحماية العسكرية الأمريكية على نحو تلقائي.
– السيناريو الثالث: الاستنزاف النقدي العكسي يمثل استراتيجية اقتصادية يديرها مجلس الاحتياطي الاتحادي عبر اتباع سياسة نقدية متشددة ومستدامة تعرف بمبدأ “الفوائد المرتفعة لفترة طويلة”، وتهدف هذه الاستراتيجية إلى تعزيز القوة الشرائية للدولار إلى حد بعيد، مما يؤدي إلى نزوح جماعي لرؤوس الأموال من الأسواق الناشئة باتجاه السندات الأمريكية، وارتفاع قيمة الدولار بشكل ظاهر سيُضاعف تكلفة خدمة الديون السيادية لدى الدول الآسيوية، ويضع عائقاً اقتصادياً أمام محاولات تلك الدول لتبني أنظمة نقدية بديلة، الأمر الذي قد يتسبب في نشوء أزمات بموازين المدفوعات داخل الدول التي تسعى للتمرد الاقتصادي.
– السيناريو الرابع: التفكيك البراغماتي اللين يتمثل في استراتيجية تُركز على التحايل الذكي والمراوغات الدبلوماسية بهدف تفكيك التحديات من الداخل، وهو نهج يميل إلى الانحناء أمام الضغوط عوضًا عن التصادم معها، ويُعتبر هذا الأسلوب المفضل لإدارة رئيسها ترامب، حيث كان تنفيذ “صفقة الديزل الروسية الأخيرة” نموذجاً عملياً له، عبر تفادي المواجهة المباشرة مع التحالفات الآسيوية والشرق أوسطية، حيث تلجأ واشنطن إلى تقديم حوافز اقتصادية مؤقتة واستثناءات من العقوبات لتعزيز نفوذها‘ وهذا من خلال إصدار تراخيص أحادية تسمح بتدفق بعض الشحنات على نحو مؤقت، تُضعف الولايات المتحدة الحجة الأساسية التي تعتمد عليها القوى الإقليمية والدولية لتأسيس تحالفات اقتصادية ونظم تسعير جديدة. هذه الإجراءات تُسهم في تقليل حماسة الأطراف لاستحداث نظام “أوبك-آسيا”، مع إعادة توجيهها تدريجياً نحو إطار التسعير التقليدي.
وتدرك واشنطن أن تفكيك التحالفات متعددة الأقطاب لا يتحقق من خلال مهاجمة القوى الكبرى على نحو مباشر مثل موسكو وبكين، وإنما عبر ممارسة ضغط مكثف على الدول “المتأرجحة” أو الأطراف التي يُعتقد أنها أكثر عرضة للسيطرة، وبظر الإدارة الامؤيكية تُعتبر الهند نقطة محورية لوجستية في مبادرة “ممر الطاقة الآسيوي” والركيزة الأساسية في مؤشر “أوبك-آسيا”، لكنها أيضًا الحلقة الأكثر عرضة للتأثر بالضغوط الدولية، فالكل يعرف أن نيودلهي تعتمد على الولايات المتحدة وشركائها في إطار تحالف “كواد” لمواجهة النفوذ العسكري المتزايد للصين، وبإمكان واشنطن استخدام أدوات مثل وقف نقل التقنية العسكرية أو فرض قيود على التأشيرات الخاصة بعمالة التقنية (H-1B) كوسيلة ضغط قوية، ونتيجة لذلك، قد تضطر الهند إلى إعادة النظر في سرعة تنفيذ مشروع ممر الطاقة، وربما تفضل الاعتماد على تسويات ثنائية مثل آلية الدفع بالروبية والدرهم، عوضا عن الانخراط في نظام إقليمي يخضع لتأثير قوى مقربة من بكين.
وفي حال السعي لدمج الممر مع أوروبا عبر الموانئ بحلول ربيع 2027، ستصبح إيطاليا هدفاً رئيسياً، إذ يعاني اقتصادها من ديون عامة قياسية، مما يجعلها حساسة لأي تغيير في الفوائد أو سحب للسيولة الغربية، وتملك واشنطن القدرة للضغط عليها من خلال حلف الناتو والمؤسسات المالية لتطبيق سياسات تقشفية، مما يضمن انصراف إيطاليا عن أي اتفاقيات لوجستية مرتبطة بممر الطاقة الآسيوي حفاظاً على سنداتها، أما تركيا، التي تحظى بأهمية استراتيجية؛ نظرًا لاحتضانها شبكات السكك الحديدية المتصلة بميناء جيهان، فهي تبدو من الناحية المالية مكشوفة نتيجة التضخم وتقلبات العملة، ولدى واشنطن القدرة على فرض عقوبات ثانوية على القطاع المصرفي التركي المسؤول عن “قطار النفط”، إضافة إلى استخدام ملفات التسليح كورقة ضغط، فهذه الضغوط قد تدفع تركيا إلى اتباع سياسة “الابتزاز المتبادل”، حيث قد تقترح إبطاء شحنات الممر مقابل حصولها على دعم مالي أو تنازلات سياسية من الولايات المتحدة.
وإذا ما قرأنا بعناية هذه السيناريوهات الأربعة للرد الأمريكي وفق حسابات تستند إلى احتمالات التنفيذ وحجم التأثير المتوقع، يظهر بجلاء أن صناع القرار في واشنطن يتنقلون بين خيارات تتراوح من إجراءات صارمة إلى تكتيكات أكثر ذكاءً.
في صميم هذه التغيرات، يظهر تكتيك “التفكيك البراغماتي اللين” كخيار ذي احتمالية كبيرة وتأثير عميق، حيث يعكس على نحو مباشر نهج الإدارة الأمريكية الحالية، وأكدت صفقة الديزل الروسي الأخيرة قدرة واشنطن على استخدام الحوافز الاقتصادية والتراخيص المؤقتة لتهدئة حماس كل من الحلفاء والخصوم، وسحب الذرائع اللوجستية لتطوير البدائل النقدية، ويعتبر هذا نجاحاً تكتيكياً يكبح تقدم “أوبك-آسيا” دون الحاجة إلى مواجهة صريحة، وبالتزامن مع هذا النهج المرن، يعمل سيناريو “الاستنزاف النقدي العكسي” كآلية ضرورية، حيث يستخدم الاتحادي الأمريكي سياسة الفائدة المرتفعة لامتصاص السيولة العالمية، مما يزيد تكلفة الانشقاق النقدي على الأسواق الناشئة، ويهددها بأزمات موازين مدفوعات حادة، ومع ذلك، قد لا يكون هذا الخيار كافياً وحده لمنع التفاهمات الثنائية خارج إطار الدولار.
وعلى صعيد استخدام الأدوات القسرية البارزة، تبرز “الهندسة النقدية الشرسة” من خلال توظيف العقوبات الثانوية وعزل المؤسسات المالية كخيار قوي وعالي التأثير، رغم فعاليته المحتملة، فإن هذا النهج يحمل مخاطر ارتدادية واضحة قد تساهم في تسريع انقسام النظام المالي العالمي إلى كتلتين مستقلتين، مما يدفع الصين إلى تعزيز اعتمادها الكامل على نظام المقاصة البديل (CAPS) ، أما فيما يتعلق بسيناريو “المقايضة الأمنية المشروطة”، فإنه يمثل التحدي الأكثر خطورة وحرجاً بسبب تبعاته العميقة، ورغم أن احتمالية لجوء واشنطن إلى تسييس مظلتها الدفاعية بشكل صارخ تعتبر متوسطة بالنظر إلى الكلفة الدبلوماسية المرتفعة، إلا أن حدوث ذلك سيؤدي إلى هزة قوية تُضعف الثقة المتجذرة في الضمانات الأمنية الأمريكية، ونتيجة لذلك، ستجد الدول المنتجة للطاقة نفسها مضطرة لتسريع جهودها في تنويع شراكاتها الاستراتيجية والدفاعية بهدف ضمان أمنها القومي بعيداً عن القيود والشروط النقدية الأمريكية.
أمام ما ذكرناه آنفاً من السيناريوهات الأمريكية، لن تبقى بكين في موقف المتفرج، بل ستتحرك بصفتها الركيزة المالية والهندسية لحلفاء “ممر الطاقة الآسيوي”، وتدرك القيادة الصينية جيداً أن قدرة واشنطن على توظيف أساليب مثل “التفكيك الناعم” (كما حدث في صفقة الديزل الروسي)، أو المناورة بسلاح أسعار الفائدة المرتفعة، ما يستوجب على التكتل متعدد الأقطاب تسريع جهوده لتعزيز دفاعاته النقدية.
هنا يبرز نظام المقاصة الصيني بين المصارف عبر الحدود (CAPS) كأداة ليست فقط بديلاً تقنياً لنظام “سويفت”، بل أيضاً كدرع جيوسياسي صُمم خصيصاً لحماية “الحلقات الأضعف” من وطأة العقوبات الثانوية التي تفرضها الولايات المتحدة، وتعتمد استراتيجية الصين لبناء هذا الجدار الدفاعي على ثلاثة مسارات مترابطة هي:
1. تعزيز البنية التحتية الاقتصادية: تعمل بكين على توفير حوافز وتسهيلات تقنية وتدفقات مالية باليوان الرقمي، بالإضافة إلى دعم مصرفي لروسيا وتركيا ودول الخليج، بهدف ربط أنظمتها المصرفية مباشرة بنظام (CAPS)، مما يؤدي إلى فصل كامل لمعاملاتها النفطية عن التدخل الأمريكي
2. تعزيز مكانة “اليوان البترولي” كبديل استراتيجي: تسعى الصين من خلال مبادراتها لإنشاء صناديق سيادية مشتركة مقوّمة باليوان والعملات المحلية لتخفيف تأثير الحرب المالية الأمريكية. يسمح هذا السعي للهند والدول المجاورة بتسوية فواتير الطاقة دون الاعتماد على النظام المالي الأمريكي وتأثير ارتفاع الدولار.
3. تأمين الممرات اللوجستية رقميًا: بالتوازي مع تطوير شبكات السكك الحديدية والممرات القطبية، تنشئ بكين بنية تحتية سيبرانية آمنة وشبكات بلوكتشين مالية موحدة لإدارة مؤشر “أوبك-آسيا”، مما يقلل من قدرة واشنطن على الرقابة المباشرة أو استخدام الضغوط الاقتصادية لعرقلة التحالف.
في المحصلة النهائية، يُظهر هذا التشابك المعقد أن الهيمنة الأحادية، وإن كانت تعيش مراحل تراجعها الهيكلي، لا تزال تمتلك أدوات تعطيل قادرة على رفع كلفة البدائل النقدية واللوجستية الناشئة إلى مستويات باهظة، فالصراع لم يعد محصوراً في إطار حظر تجاري أو تنافس على خط أنابيب، بل تحول إلى سباق تسلح حوض استحمامي بين أدوات الإكراه المالي الغربية وشبكات الأمان الرقمية الآسيوية.
فربيع عام 2027، وبالتحديد بتاريخ 7 أبريل الذي يشكل نهاية الرخصة التي تمنحها الخزانة الأمريكية لاستيراد الديزل الروسي، سيكون محطة مفصلية في مسار النظام الدولي الحديث، ولن يكون هذا التاريخ مجرد نقطة انتهاء استثناء اقتصادي، لكنه يحمل دلالة جيوسياسية عميقة؛ فإما أن تتمكن القوى متعددة الأقطاب، التي تقودها التقنية المالية الصينية مدعومة بمخزونات الطاقة الروسية والخليجية، من تعزيز مراكز ضعفها وضمان استدامة “ممر الطاقة الآسيوي” تحت مظلة نظام الدفع (CAPS)، أو تنجح الولايات المتحدة من خلال استراتيجياتها الالتفافية والضغط السياسي في تفكيك هذا التكتل الهش وجرّه تدريجياً نحو هيمنة البترودولار مجدداً. وفي خضم هذا التحدي، تبقى الحقيقة الأبرز أن العالم بعد صدمة الطاقة 2026 قد اتخذ مساراً جديداً تماماً، متخلياً عن ركائز الاستقرار التقليدية إلى الأبد، ليجد نفسه أمام مرحلة يُعاد فيها رسم التاريخ بقوة النفط وتُختبر فيها قدرات الأقطاب عبر براعتها في التعامل مع الأزمات اللوجستية وتعزيز تفوقها الرقمي والنقدي.

زر الذهاب إلى الأعلى