منبر الكلمة

السياسة الدولية بين “التعهير” والمصالح ..هل فقدت السياسة ما تبقى من أخلاق .؟

 

عدنان نصار

عندما نراقب السياسة الدولية اليوم، نشعر بصمت صادم أمام حجم الازدواجية والانتهاكات المستمرة. لم تعد السياسة مجرد إدارة مصالح؛ بل تحولت إلى ساحة مفتوحة للعهر الأخلاقي والسياسي، حيث تُضحَّى القيم الإنسانية على مذبح المصالح الضيقة، وتساق الإنسانية نفسها إلى المذابح باسم السياسة، بينما يبقى الساسة على مسرح المتفرجين.

العهر السياسي لم يعد وصفًا مجازيًا، بل واقع يومي يمارس على شعوب بأكملها بلا رحمة. من غزة إلى أفريقيا، ومن آسيا إلى أوروبا، تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الأجندات السياسية في مزيج فاضح من النفاق والدعاية الزائفة، حيث يُصور الظالم مظلومًا، ويُلبس المظلوم ثوب “الإرهابي” في مشهد أكثر فضائحًا ووضوحًا.

القوى الكبرى تتحدث عن حقوق الإنسان والديمقراطية، لكنها في الوقت ذاته تغض الطرف عن الانتهاكات الصارخة إذا كانت مصالحها مضمونة. هنا يتجلى العهر السياسي بوضوح: المبادئ تتحول إلى شعارات إعلامية، والعدالة تُقايض بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية.

فلسطين (غزة) مثال صارخ على هذا الواقع. بينما يرفع العالم شعارات السلام والعدل، تُركت الشعوب لمواجهة القتل والدمار، تحت ضغط سياسات دولية لا ترى إلا مصالحها الضيقة. ما يحدث هناك ليس مجرد صراع سياسي أو عسكري، بل درس قاسٍ في ازدواجية المعايير الدولية، حيث تتسع الهوة بين الكلام والواقع، بين المبادئ والممارسة اليومية.

ليس فقط الصراعات العسكرية خالية من القيم، بل حتى التحالفات الدولية غالبًا ما تخضع لمنطق القوة والمصلحة، وليس للعدالة أو الإنسانية. العهر السياسي يظهر جليًا عندما تُغفل القيم الإنسانية لأجل مصالح ضيقة، وعندما تتحول السياسة إلى لعبة مصالح بلا أي رقابة أخلاقية أو ضمير إنساني.

ما نحتاجه اليوم ليس بيانات شجب فارغة، بل محاسبة حقيقية للقوى التي تمارس هذا العهر السياسي. الشفافية والعدالة يجب أن تكونا الركيزة الأساسية لأي سياسة دولية ترغب في استعادة مصداقيتها. الشعوب لا تحتاج إلى وعود بلا مضمون، بل إلى أفعال حقيقية تعكس الالتزام بالقيم الإنسانية قبل أي مصالح استراتيجية.

في النهاية، الشعوب تميز بوعيها السياسي ورقيها الأخلاقي بين الوعود الزائفة والحقائق المرة، وسترفع صوتها ضد أي سياسة تُمارس تحت ستار الشرعية الدولية وتستغل ضعف الضحايا. السياسة الدولية كما هي اليوم، ساحة للعهر الفاضح، تحتاج إلى وعي شعبي ومحاسبة عاجلة، قبل أن تصبح الإنسانية نفسها ضحية بلا عودة، وتتحول الأوطان إلى مجرد ثروات تُتقاسمها القوى العظمى بلا أي وازع من الخلق أو العدالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى