QFEX 2026
منبر الكلمة

الزبد يذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض

كتبت :منى توفيق عثامنه

إلى الله أشكو هذا الزمان، ولا أشكوه إلى أحد.
نعيش اليوم في عصرٍ تتهاوى فيه القيم وتندثر الأخلاق، زمنٌ انقلبت فيه الموازين حتى غدت الثرثرة، وقلّة الأدب، والحماقة، واللغوصة عناوين عريضة تُسلّط عليها الأضواء. صرنا نرى “الزَّفْر، والقلي، والجلي، والشواء، والقفز، والجري، والصهونة، والبهورة وإطالة اللسان ” انجازات عظمى فقد أعلنت فلانة ، وصرّح علّان تتداولها الصفحات بأقلامٍ من ضوء وصورٍ لافتة كأنها أهمّ مخرجات العصر المعرفية! ويطغى الخداع البصري والرقمي على العلم الحقيقي، والفهم العميق، والاطّلاع الرصين.

إنّ الأخلاق كانت وستبقى درعُنا المتين، والحشمةَ والرزانةَ من الصفات النبيلة التي لا يمكن أن تعرفها “خضراوات الدِّمَن”؛ وأولئك الذين واللواتي ينبتون في منابت السوء والابتذال ثم يطلّون على الناس بوجهٍ برّاق زائف.

لقد رأيتُ يوماً زهرةً نبتت من تحت دِمنة (مزبلة)، فاشمأززتُ منها ، فإذا بمصوّرٍ تلتقطها عدسته ،ويعلِّق منبهراً: «إنّها إنّ هذه الزبالة سمادٌ لها!». هكذا يُصنع مشاهير الوهم اليوم؛ يُبرَّر ابتذالهم، ويُساق العوام لتصفيقٍ حاد لمنتجٍ نبت في مستنقع التفاهة.

دفعتني هذه المفارقة يوماً للتفكير في “اختراع” لعلّي أشتهر. جمّدتُ قليلًا من الماء، ونحتُّ عليه اسمي بعناية، ثم فتحتُ بثّاً مباشراً أهتف فيه بـ “طريقتي العبقرية” وأشرح فكرتي النادرة! لكن، سرعان ما ذاب الماء، وشعرتُ ببرودة وجهي وخجل الموقف. اعتذرتُ للماء ..

لكن المفاجأة الصادمة وسخرية الحظ تجلّت هنا: لقد أصبحت فكرتي الفارغة «ترندًا»! وحصدت آلاف المشاهدات والتفاعلات من أولئك المساكين الذين يتابعون كلّ ما يُعرض عليهم تُحتلّ اوقاتهم ، وتلوَّث أذواقهم .
لقد أيقنت أنني أدقُّ الماءَ.. ويبقى ماءً.

لكن العزاء يكمن في حقيقة الوهم ذاتها ، لأن الزبد يذهب جفاءً، بينما تظل القيم والرزانة والأخلاق هي الثوابت التي لا تجرفها عواصف السطحية مهما طغت وأنّ الأخلاق وإن أُفسِدت الأذواق هي ما ينفع الناس .

زر الذهاب إلى الأعلى