QFEX 2026
رياضة وشباب

الرياضة في كوريا الشمالية.. حياة فاخرة للأبطال وجلسات إذلال للخاسرين

افاق نيوز – حصدت ري سونغ غوم من كوريا الشمالية قبل أيام ذهبية في النسخة العشرين من دورة الألعاب الآسيوية المقامة في اليابان، محققة في الوقت عينه ثلاثة أرقام قياسية في منافسات وزن 49 كيلوغراماً في ناغويا، لتضيف صاحبة الـ140 سنتيمتراً فقط إنجازاً جديداً إلى مسيرتها المرصعة بالجوائز، بعدما باتت ضمن قائمة كبار الرباعين الذين أحرزوا ثلاث ميداليات من المعدن الأصفر في “الآسياد”.

وعلى منصة التتويج ذرفت صاحبة الـ28 عاماً دموع الفرح خلال عزف النشيد الوطني لبلادها، وسط تصفيق حارٍ داخل قاعة مركز ناغويا للتجارة والصناعة، بحضور كبيرٍ للمشجعين اليابانيين من أصول كورية شمالية، وهي التي تعرف معنى الفوز جيداً، بعدما توجت في العام الماضي بطلة للعالم في النرويج، إضافة إلى أنّها نالت ذهبية الألعاب الآسيوية في جاكرتا عام 2018 وهانغجو 2023، لتخطف الأضواء في نسخة 2026، حين رفعت 94 كيلوغراماً فوق رأسها خلال منافسات الخطف، محطمة الرقم القياسي بفارق كيلوغرام واحد، ثم تابعت تقدّمها في النتر (المعدل الأفضل سابقاً 115 كيلوغراماً)، لتسجل 116 ثم 121، وبمجموعها الذي ناهز الـ215، أزاحت الرقم الأفضل تاريخياً بفارق سبعة كيلوغرامات.

السؤال الذي قد يخطر على بال أي متابع للرياضة أو حتى من خارجها، كيف يُعامل الرياضيون الأبطال في كوريا الشمالية وحتى الخاسرون من قبل النظام هناك تحت قيادة الرئيس كيم جونغ أون، والذي حيكت حوله الكثير من الروايات والقصص الغامضة في بلدٍ مغلق للغاية، لا تُعرف الكثير من أخباره.

شقق فاخرة للفائزين في كوريا الشمالية

في عام 2013 ذكرت وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية (KCNA)، أن عدداً من الرياضيين بمن فيهم أولئك الذين حازوا ميدالية ذهبية في أولمبياد لندن 2012، على غرار أوم يون-تشول، وأن كوم-آي وكيم أون-غوك، قد انتقلوا إلى منازلهم الجديدة الفاخرة الواقعة على ضفاف نهر بوثونغ.

وأكدت وكالة رويترز أيضاً يومها أن كوريا الشمالية تمنح مكافأة للرياضيين الناجحين من خلال تأمين حياة رغيدة تقديراً لرفعهم اسم الدولة “الفقيرة والقمعية عالياً”، على حدّ قولها، حتى وصل الأمر إلى إشادة كيم بفلسفة بلاده المعروفة باسم “سونغون”، أو الجيش أولاً، وحينها قال البطل أوم: “لقد تمكنّا نحن الرياضيين من إعلاء شأن وكرامة كوريا السونغون وحصد الميداليات الذهبية بفضل الرعاية والمحبة العميقة من كيم جونغ أون، الذي كان يقودنا دائماً في كل منافسة، ويبث فينا القوة والشجاعة”.

في الوقت عينه كانت العداءة كيم كوم-أوك قد ذرفت الدموع تأثراً لدى حصولها على مسكنها الجديد الفاخر، وقالت لوكالة بلادها المحلية: “كدت أعجز عن الدخول إلى الشقة، فكل غرفة في هذا المسكن الرائع تعكس الرعاية والمحبة العميقة التي يوليها المارشال، وقد تأثرت بشدة بهذا الكرم في ظل النظام الاشتراكي الذي نكنّ له كل الامتنان، لقد أدركتُ مجدداً وبقوة مدى عمق الرعاية والمحبة التي نحظى بها في حياتنا”.

لاحقاً في فترة بعد الألعاب الآسيوية التي جرت عام 2014، بات مؤكداً صحة تلك المعلومات، حين قال المدرب الرئيسي في رياضة رفع الأثقال كيم كوانغ دوك لوكالة فرانس برس: “سيُكافأ أبطال رفع الأثقال الذين رفعوا اسم البلاد عالياً بمنزل جديد وسيارة جديدة، وسيحظى رياضيونا بلقب أبطال قوميين بمجرد عودتهم، وسينالون اهتماماً كبيراً من شعبنا، فالجميع سيشعرون بالفخر”، وبذلك أثبت صاحب هذه العبارة أن المجد الرياضي يمثل طوق النجاة للخروج من براثن الفقر المدقع.

الإذلال العلني للخاسرين

في عام 2010 وبعد خسارة منتخب كوريا الشمالية في مونديال جنوب أفريقيا وتعرّضه لهزيمة كبيرة بنتيجة 0-7، تعرّض اللاعبون لدى عودتهم إلى بيونغ يانغ لجلسة علنية مذلة استمرّت ست ساعات في الثاني من يوليو/ تموز من العام نفسه، وذلك بحسب إذاعة آسيا الحرة، التي ذكرت أن وزير الرياضة آنذاك باك ميونغ تشول والمعلق التلفزيوني ري دونغ كيو، وهو أيضاً أستاذ في معهد علوم الرياضة، قد أدارا الجلسة، بمشاركة 400 رياضي آخرين ينتمون لاتحادات رياضية وهيئات حكومية مختلفة.

وبينما كان اللاعبون والمدرب يقفون أمام الحضور، انضم ري إلى ممثلي وزارة الرياضة في توجيه انتقادات لنقاط الضعف لدى كل فرد، وتلا ذلك قيام مشاركين آخرين بالأمر نفسه، وفي ختام الاجتماع، جاء دور المدرب كيم جونغ هون يومها، ثم أُجبر كلّ لاعب على توجيه انتقادات مباشرة له.

في الوقت عينه كان نجوم مونديال 1966 الذين أطاحوا إيطاليا وخسروا لاحقاً أمام البرتغال بصعوبة قد عاشوا قصة هوليوودية، بعدما عوملوا في البداية باعتبارهم أبطالاً قوميين، لكنهم خضعوا لاحقاً لجلسة نقدٍ أيديولوجية، مع نقلهم إلى مناطق ريفية نائية وإجبارهم على العيش والعمل الشاق في ظروف قاسية، رغم عدم اعتراف الحكومة الكورية بذلك، لكن استناداً إلى شهادات كوريين شماليين ومعلومات وردت في الفيلم الوثائقي “The Game of Their Lives”، الذي أنتجته هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” عام 2002، فقد أُعيد بعض اللاعبين إلى مناصبهم وسُمح لهم بالعمل لاعبين ومدربين.

قد يبدو شعار الفصل بين الرياضة والسياسة جذاباً، لكنه أيضاً لا يعكس الواقع في كوريا الشمالية، كما العديد من الحالات التي يشهدها عالمنا اليوم. وفي مقابلة أجريت عام 2018 لصالح موقع “ناشيونال بوست” الكندي، قال جاكوب كوفاليو، الأستاذ المشارك في جامعة كارلتون والخبير في تاريخ منطقة آسيا والمحيط الهادئ: “أسلوب التشهير العلني في كوريا الشمالية يُستخدم للضغط على الأفراد من أجل تحسين أدائهم. وتتضمن هذه الجلسات مرحلة للنقد الذاتي، حيث يتعين على عضو الحزب الخاضع للتشهير الاعتراف بأخطائه، وعقب ذلك، تقوم المجموعة التي تستمع للاعتراف بتوجيه انتقادات لاذعة ومشتركة للشخص المعني”. في المقابل، ذكر مايكل مادن، وكان يعمل محللاً في موقع “38 نورث” (38 North) الذي يديره معهد الولايات المتحدة وكوريا التابع لكلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، أن عمليات الإذلال العلني هذه تُعد جزءاً من “الحياة الحزبية” في كوريا الشمالية، حيث تُستخدم هذه الممارسات في جلسات التثقيف والدراسة السياسية.

زر الذهاب إلى الأعلى