منبر الكلمة

الذكرى الثمانون للاستقلال … مسيرة وطن ورسالة أمة

عمان-الأردن
٢٠٢٦/٥/٢٥
القس سامر عازر

ثمانون عامًا مضت منذ إعلان استقلال المملكة الأردنية الهاشمية، ثمانون عامًا من البناء المتواصل، والعمل الدؤوب، والإيمان العميق بالإنسان الأردني وقدرته على صناعة المستقبل. إنها مسيرة وطن لم يتوقف يومًا عند حدود التحديات، بل حوّل الصعاب إلى فرص، والإمكانات المحدودة إلى إنجازات كبيرة، حتى غدت المملكة الأردنية الهاشمية نموذجًا في الثبات والاعتدال والبناء في منطقة تعصف بها الأزمات والتحولات.

وفي قلب هذه المسيرة، برزت عمّان، العاصمة الحبيبة، مدينةً عالميةً نابضة بالحياة، تعكس الوجه الحضاري المشرق للعروبة، وتحمل رسالة الأردن القائمة على الانفتاح والاعتدال والنهضة. لقد أصبحت عمّان محطةً للثقافة والفكر والحوار، وملتقىً للشعوب والثقافات، وصورةً حيّة لوطنٍ استطاع أن يرسّخ حضوره الإنساني والحضاري على الساحتين الإقليمية والدولية.

لقد حمل الأردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة، رسالة البناء والنهضة منذ تأسيس الدولة، مؤمنًا بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان. ولذلك أولى التعليم والمعرفة والعلوم والتكنولوجيا اهتمامًا كبيرًا، وسعى إلى تطوير قدرات الإنسان الأردني، وفتح أمامه آفاق الاطلاع على تجارب الشعوب والأمم، ليكون شريكًا في مسيرة التقدم العلمي والتكنولوجي والرقمي، وفي مجالات الذكاء الاصطناعي والعلوم المعرفية والاختراعات والصناعات الحديثة.

وفي هذا السياق، تبرز كلمات جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال طيّب الله ثراه، التي ما تزال تشكّل بوصلة فكرية لمسيرة الدولة الأردنية:
“الإنسان أغلى ما نملك”.
وهي عبارة تختصر فلسفة بناء الوطن، القائمة على أن الإنسان هو الهدف والوسيلة والغاية في آنٍ واحد، وأن نهضة الأوطان لا تقوم إلا على الإنسان الواعي المنتج المتمسك بقيمه وهويته.

إن الذكرى الثمانين للاستقلال ليست مجرد مناسبة وطنية عابرة، بل محطة تأمل ومسؤولية. فهي تذكّرنا بحجم الأمانة التي حملها الهاشميون مع سواعد الأردنيين المخلصة، يدًا بيد، بروح الوفاء والانتماء والإخلاص للوطن. وما تحقق من إنجازات عبر العقود لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية حكيمة وعمل متواصل وإيمان عميق بأن الأردن يستحق الأفضل دائمًا.

واليوم، ونحن نقف على أعتاب مرحلة جديدة من تاريخ وطننا، تتجدد المسؤولية وتتعاظم التحديات، لكن تبقى الثقة أكبر من كل الصعاب. فالأردن الذي صمد وبنى وواجه، قادر على أن يواصل مسيرته بثبات، وأن يعالج التحديات ويعزز الإنجازات، وينطلق نحو آفاق أوسع من التقدم والازدهار.

وفوق كل شيء، تبقى مناسبة الاستقلال فرصة نستذكر فيها نعمة الأمن والأمان التي ينعم بها وطننا، في وقتٍ تعيش فيه منطقتنا أزماتٍ متلاحقة وحروبًا ونزاعاتٍ ملتهبة. فالأردن، رغم ما يحيط به من تحديات إقليمية ودولية، استطاع بحكمة قيادته ووعي شعبه أن يحافظ على استقراره ووحدته الوطنية، وأن يبقى واحة أمنٍ وسلام.

لقد شكّلت القيادة الهاشمية، عبر عقود طويلة، صمام الأمان لمسيرة الوطن، بما حملته من حكمةٍ واعتدال ورؤيةٍ بعيدة المدى، وبما رسخته من قيم الوئام الديني والعيش المشترك واحترام التعددية الدينية والثقافية. وهي قيم لم تكن شعاراتٍ تُرفع، بل نهجًا عمليًا تجسّد في حياة الأردنيين اليومية، حيث بقي الأردن نموذجًا للأخوّة الوطنية والتلاحم بين جميع مكوناته.

وفي هذا الإطار، تأتي كلمات جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين لتؤكد استمرار هذه المسيرة بروح متجددة من العزم والإرادة:
“الأردن قويٌّ بأبنائه، وبوحدتهم، وبإيمانهم بقدرتهم على صناعة المستقبل”.
وهي عبارة تختصر جوهر المرحلة الراهنة، حيث يتقدم الأردن بثقة نحو المستقبل، مستندًا إلى وحدة شعبه، وحكمة قيادته، وإيمان أبنائه برسالته وقدرته على الإنجاز.

وفي الذكرى الثمانين للاستقلال، لا يسعنا إلا أن نستذكر بكل فخر تضحيات الآباء والأجداد الذين أسهموا في بناء هذا الوطن، وأن نجدد العهد بأن يبقى الأردن قويًا، عزيزًا، حرًا، منيعًا، يحمل رسالته الإنسانية والحضارية بثباتٍ وثقة، ويواصل مسيرته نحو المستقبل بإرادة شعبه، وحكمة قيادته، وإيمان أبنائه بأن هذا الوطن يستحق دائمًا أن نبذل من أجله الغالي والنفيس.

حفظ الله الأردن، قيادةً وشعبًا، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، ليبقى وطن الرسالة والكرامة والإنسان.

زر الذهاب إلى الأعلى