“الذباب الإلكتروني: الوجه الخفي لحروب الظل الرقمية الخبيثة واستهداف الدول من خلف الشاشات”

ميشيل الازرعي
في زمن لم تعد الحروب تُخاض فيه بالسلاح فقط، ظهر خصم جديد يضرب من خلف كواليس الظلام، يتسلل من خلف الشاشات، يُشوّه الحقائق، يُبثّ الفتن، ويزرع الشك بين أبناء الوطن. إنه “الذباب الإلكتروني”، الأداة لحروب الجيل الخامس، وأداة قذرة تُستخدم للنيل من أمن الدول وأستقرارها. فهل بات مجتمعنا مستهدفًا حقًا؟ وما هي أساليبه؟ وما هي دوافعه الخبيثة؟ وكيف يمكن أن نكون مستعدين لمواجهته بوعي راسخ وحس وطني مسؤول؟
الذباب الإلكتروني هو مجموعات مدفوعة أو موجهة من الحسابات الوهمية أو التي تدار آليًا من قبل أشخاص حقيقيين يتخفّون خلف أسماء مستعارة، هدفهم المباشر بث الأكاذيب والإشاعات، وزرع الفوضى الفكرية في المجتمعات المستهدفة.
تعمل هذه هذه الجيوش الإلكترونية غالبا بإيعاز من جهات معادية أو تنظيمات مشبوهة لها أجندات خاصة تستهدف من خلالها وحدة الشعوب وتعمل على زعزعة الثقة بين المواطن ومؤسساته الرسمية، ولكن السؤال الأبرز ،هل مجتمعاتنا مستهدفة حقا؟
الإجابة نعم، وبكل وضوح. في خضم
ما يشهده العالم من تزييف فكري ومعلوماتي، برزت مجتمعاتنا كهدف رئيسي لهذه الجيوش الإلكترونية، ليس لضعف فيها، بل لقوتها وتأثيرها ومتانة وحدتها الوطنية. حيث تسعى هذه الحسابات إلى ضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، والعمل على تزوير الحقائق، وبث الإحباط، والتشكيك في المنحزات الوطنية، وحتى أنها تسعى لخلق انقسامات داخل المجتمع نفسه، ولكن هل يوجد
للذباب الإلكتروني أهدافا محددة يحاول مشغلوه تحقيقها؟
بالتأكيد نعم، فالذباب الإلكتروني يعمل على زعزعة الاستقرار الداخلي من خلال إثارة القضايا الحساسة وتضخيمها، ويعمل على تشويه صورة الدولة ورموزها في الداخل والخارج، ينشر الإشاعات المغرضة لخلق حالة من القلق والتوتر العام بحيث يقوم بتغذية الخطاب السلبي وتعزيز الكراهية والانقسام، ويركز على العمل لإضعاف الروح الوطنية لدى الأفراد، لا سيما جيل الشباب.
كما يعمل بطريقة ممنهجة على تشويه الثقة بالإعلام الرسمي لحث الجمهور على متابعة مصادر غير موثوقة.
للذباب الإلكتروني أنواع، ومن أبرزها الذباب السياسي ويقوم بالترويج لأجندات خارجية هدفها ضرب الداخل الفكري، ويوجد أيضا ذباب طائفي أو عرقي يعمل على إثارة النعرات ويغذي النزاعات بين مكونات أي مجتمع يقوم باستهدافه.
ذباب اقتصادي: يشكك في المشاريع التنموية ويثير الذعر ونشر أخبار زائفة تشير إلى قرب حدوث انهيار اقتصادي محتملا أو التحدث عن الأوضاع الاقتصادية بطريقة سوداوية، كما يوجد ذباب ثقافي وفكري حيث يقوم بإستهداف القيم المجتمعية والعادات الأصيلة، بداية بالتشكيك فيها والسخرية منها بطريقة تهكمية وبطرق عدة.
-أشهر أساليب الذباب الإلكتروني الخبيثة وطرقه لتحقيق أهدافه:-
يقوم الذباب الإلكتروني بداية بإنشاء حسابات وهمية تحمل أسماء وصور جذابة لاستدراج المتابعين.
يعمل الذباب الإلكتروني أيضا على عملقة القضايا البسيطة وتحويلها إلى “ترند” في مواقع التواصل الاكثر إستخداما. ويعمل على فبركة الوثائق والتقارير وتقديمها على أنها حقائق موثوقة، ويقوم أيضا بإقتباس كلام مسؤولين خارج سياقه لتحريف الرسالة الأصلية، ويشن عدة هجمات جماعية تستهدف بطبيعة الحال شخصيات عامة سعيا لتشويه صورتها وإسكات الصوت الوطني.
تستخدم جيوش الذباب الإلكتروني الروبوتات (Bots) لزيادة التفاعل الزائف ونشر محتوى معين على نطاق واسع، كما تقوم بنشر مقاطع فيديو أو صور قديمة على أنها أحداث راهنة.
-سبل المواجهة: بيساطة وبكل وضوح وعي المواطن هو خط الدفاع الأول، في ظل هذا الخطر الرقمي المتصاعد، يبرز دور المواطن الواعي كخط الدفاع الأول لحماية الوطن والمجتمع من هذه الهجمات الخبيثة. ولذا، أضع بين أيديكم أهم سبل المواجهة:
-أولا: عدم الانسياق وراء الإشاعات قبل التحقق من مصدرها.
-ثانيا: متابعة القنوات الرسمية ومواقع الجهات الحكومية وذات الإختصاص لتقصي الحقائق.
ثالثا: الإبلاغ عن أي حسابات وهمية مشبوهة على منصات ومواقع التواصل الإجتماعي.
رابعا: نشر الوعي الرقمي في محيط الأسرة والمدرسة والمجتمع.
خامسا: تعزيز الانتماء الوطني ودعم الإنجازات الوطنية.
سادسا: دعم الدولة ومؤسساتها إعلاميًا ومجتمعيًا والوقوف خلف قيادتها.
سابعا: تفعيل دور الإعلام الوطني للرد على الأكاذيب بوعي وإحترافية.
دورنا كموانين في عالم لم يعد يفرق بين الحقيقة والزيف إلا من تَسلّح بالوعي، فإن مسؤوليتنا اليوم، أفرادًا ومؤسسات، أن نقف صفًا واحدًا ضد هذه الحملات الممنهجة، بحيث لا نكون أداة بيد من يحاول النيل من وطننا. وأن لا نشارك أي معلومة أو مقاطع فيديو. إلا بعد التحقق منها. ويجب أن لا تتفاعل مع حساب مجهول، وكن أنت الخط الأول للدفاع عن الحقيقة.
-ختامًا:
الذباب الإلكتروني ليس مجرد ظاهرة رقمية عابرة، بل هو سلاح يستخدمه أعداء الأوطان في معركة لا تقل خطورة عن المعارك العسكرية. ولكننا في وطنٍ يقوده الوعي، وتحميه مؤسسات الأمنية الأمنية بحرفية ووعي مواطنيه، لن نسمح لأي جهة أن تنال من وحدتنا أو تزعزع ثقتنا بمؤسساتنا.
لنبقَ متحدين بوعي، متيقظين، ولنجعل من الحقيقة سلاحنا، ومن الوعي درعنا.








